للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

شَيْءٍ؛ لأنه يؤدي فرضًا تَعَيَّن عليه، وإن لم يتعيَّن، فيجوز، والمسْتَحَبُّ تركه (١)، ولا يجوز عَقْد الإِجارة على القضاء، لما سبق في الإِجارة.

وفي فتاوى القاضي الحُسَيْن إلحاقه بالأذان، حتى يجوز الإِجارة عليه على رأْي؛ لأن كل واحد منْهما يعُودُ نفعه إلى عامَّة المُسْلمِين، وينبغي للإمام أن يجعل من بيت المال مع رزق القاضي شيئًا لثمن القراطيس التي تُكْتَبُ فيها المَحَاضر والسجلات، ولأجرة الكاتب، فإن لم يكن في بيت المالِ مالٌ، واحْتِيجَ إليه لِمَا هُو أهم، فإن أتى المدَّعِي بصحيفة يثبت فيها خصومته، وشهادة شهوده، وأتى بأجرة الكاتب، فذاك، وإلا، فلا يُجْبَرُ عليه. ولكنه يعلمه القاضي؛ أنه إذا لم يثبت ما جرى فقد ينسى شهادة الشهود وحكم نفسه، وحينئذٍ، فلا تُقْبَلُ شهادةُ الشهود على ما جرى بل لا بدّ من التَّذَكُّر، كما سيأتي، ولو أثبت ما جرى، حفظه في ديوانه، تذكره بعلاماته.

وليكن رزق القاضي بقَدْرِ كفايته، وكفاية عياله، على ما يليق بحالهم من النفقة والكسوة وغيرهما، وكذا الإِمامُ يأخذ لنفسه ما يليق من الخيل والغلمان والدار الواسعة ولا يجب الاكتفاء بما اكتفَى به رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- والخلفاءُ الراشِدُونَ -رضي الله عنهم- بعده؛ لأن الناس قد تَغَيَّروا، وبعُدَ العهْد بزمانِ النُّبُوَّة التي كانت سبَبَ النُّصْرَة، وإلقاء الرعب في القلوب، ولو اقتصر الإِمام على مثل ذلك اليوم، لم يُطعْ وتعطَّلَت الأمور، ولو رَزَقَ الإِمامُ القاضِيَ من مال نَفْسه، أو رزقه أهل ولايته أو واحد منْهم، فالذي خرجه صاحب "التلخيص" أنه لا يجوز له قبوله لكنْ ذَكَرْنَا في "باب الأذان" أنه كما


(١) قال في القوت نقلاً عن الماوردي ويكون هذا الرزق جعالة ولا يكون أجرة لأن الأجرة مستحقة بعقد لازم والجعالة مستحقة بعقد جائز والقضاء من العقود الجائزة دون اللازمة وإنما يرزق الإِمام على القضاء إذا لم يجد متطوعًا به فإن وجده لم يجز أن يعطي عليه رزقًا، انتهى.
قال في الخادم نقلاً عن الماوردي إنما يستحقه من تصدى به للنظر بعد وصوله إلى عمله وإن لم ينظر كالأجيرة إذا سلم نفسه يستحق، وإن لم يستعمله المستأجر وإن لم يتصد للنظر فلا يستحقه، انتهى وأخذه من القوت، قال في الخادم: وهذا مما لا شك فيه وبهذا يعلم مكاره ما يفعله جهلة القضاة إذا ولاهم الإِمام بلدًا بعيدًا ووصلوا إليه طالبوا بالجحل من حين الولاية، وكذلك يفعل نظار الأوقاف والتداريس ونحوها مع عدم مباشرتهم في تلك المدة ولا شك أن فاعل ذلك مع جهله غير معذور ومع العلم يقدح في ولايته لإصراره على طلب ما لا يستحقه.
ونقل صاحب الوافي عن تعليقه: المذهب أنه متى ترك النظر في الحكم الشهر فما زاد لا يعطي الأجرة وكذلك إذا مرض مدة طويلة لا يدفع إليه لأنه لم يعمل.
قال صاحب الوافي: وينبغي إذا استخلف في زمان عذره عن النظر واختلاله ثم صار لا يسترد شيئًا من رزقه، انتهى.
وفي قوله واختلاله نظر لأنه إن أراد اختلاله عن أهلية القضاء فغير مسلم لانعزاله وانعزال نائبه تبعًا له، وإن أراد غير ذلك فلا يقال فيه اختلال، فليتأمل.

<<  <  ج: ص:  >  >>