للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من ظل كدارع محارب استلقى يستريح مستظلا بلوائه. والرصافى لا يبارى فى روعة تصاويره، وله يصف أمسية قضاها مع بعض رفاقه منتشيا بشرب الخمر وبرؤية مغرب الشمس والطير تصدح من حوله، يقول (١):

وعشىّ رائق منظره ... قد قطعناه على صرف الشّمول (٢)

وكأنّ الشمس فى أثنائه ... ألصقت بالأرض خدّا للنزول

والصّبا ترفع أذيال الرّبى ... ومحيّا الجوّ كالسّيف الصّقيل

حبّذا منزلنا مغتبقا ... حيث لا يطربنا غير الهديل

طائر شاد وغصن منثن ... والدّجى يشرب صهباء الأصيل (٣)

وهو يقول إنه ظل فى هذه الأمسية يتمتع بشراب الخمر الصافى وبمنظر الطبيعة الخلاب والشمس تودع الأرض وتلصق بها خدها إعزازا ومحبة، ونسيم الصّبا العليل يحرك النباتات والغصون أو كما يقول أذيال الربى والمرتفعات، ويثنى على منزلهم واغتباقهم أو احتسائهم للخمر فيه مساء على سماع الهديل وهديره وما يحمّله من أنغامه وأشجانه.

ويبلور روعته بالمنظر فى طائر شاد وغصن منثن، ويحلق خياله، إذ يجعل الدجى ينتشى مثله ومثل رفاقه بما يشرب من صهباء الأصيل ورحيقه الهنئ. وكانوا كثيرا ما يتنزهون فى الأنهار والخلجان ويركبون لها الزوارق ذات الأشرعة والأخرى ذات المجاديف، وأحيانا كانوا يجرون فيها سباقا على نحو ما كانوا يصنعون بسباق الخيل، ويتحدث الفقيه أبو الحسن على بن لبّال قاضى شريش عن أحد هذه السباقات فى نهرها قائلا (٤):

بنفسى هاتيك الزوارق أجريت ... كحلبة خيل أولا ثم ثانيا

وقد كان جيد النّهر من قبل عاطلا ... فأمسى بها فى ظلمة الليل حاليا

عليها لزهر الشّمع زهر كواكب ... تخال بها ضمن الغدير عواليا (٥)

وربّ مثار بالجناح وآخر ... برجل يحاكى أرنبا خاف بازيا

وهو يقول إن الزوارق أجريت فى النهر على دفعات تزينها شموع أصبح بها جيد النهر


(١) رايات المبرزين ص ١١٩.
(٢) صرف الشمول: خالص الخمر.
(٣) الصهباء: الخمر.
(٤) رايات المبرزين ص ٥٣ وانظر فى ترجمة ابن لبال وشعره المطرب ص ٩٧ والمغرب ١/ ٣٠٣ والتكملة ص ٦٧٣ وصلة الصله ص ١٠٩. توفى سنة ٥٨٣.
(٥) العوالى: الرماح. زهر جمع أزهر: مشرق مضئ.

<<  <  ج: ص:  >  >>