للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

شربها فى الصباح. ولابن الزقّاق يصف أمسية وقد غربت الشمس وخلّفت وراءها على أفق السماء الغربى الشفق البهيج (١):

وعشيّة لبست رداء شقيق ... تزهو بلون للخدود أنيق

أبقت بها الشمس المنيرة مثلما ... أبقى الحياء بوجنة المعشوق

لو أستطيع شربتها كلفا بها ... وعدلت فيها عن كئوس رحيق

وهو يتصور العشية كأنما أعارها زهر شقائق النعمان الأحمر رداء أو كأنما اكتست بحمرة الخدود الفاتنة أو كأنما خلّفت الشمس المضيئة عليها ما يخلّفه الخجل على وجنة المعشوق. وإنه ليفتن بتلك العشية وما يلابس الأفق من أضواء الشفق الوردية والياقوتية التى تفوق نشوته برؤيتها نشوته بالكئوس من رحيق الخمر، حتى ليتمنى- لو استطاع-أن يشربها هانئا بها هناءة ما بعدها هناءة. وابن الزقاق ينتشى دائما بمناظر الطبيعة الساحرة وله بجانب شعره فيها خمريات كثيرة، ولكن تظل نشوته بالطبيعة أشد أو أكثر شدة. وكانت فتنة خاله ابن خفاجة بالطبيعة أعمق أو أكثر عمقا وسنخصه بكلمة عما قليل.

ونظل فى عصر الموحدين نلتقى بكثيرين مفتونين بمناظر الطبيعة الأندلسية الخلابة، وفى مقدمتهم الرصافى الذى ترجمنا له بين شعراء المديح، وله يصف نهر الوادى الكبير الذى يمر أمام إشبيلية وما يحيط به من أشجار ونباتات قائلا (٢):

ومهدّل الشّطّبن تحسب أنّه ... متسايل من درّة لصفائه

فاءت عليه مع الهجيرة سرحة ... صدئت لفيئتها صفيحة مائه (٣)

وتراه أزرق فى غلالة سندس ... كالدّارع استلقى بظلّ لوائه

فالنهر تتهدلّ على شطيه أغصان الأشجار، وهو يجرى تحتها صافيا متلألئا كأنه يسيل من درة أو درر نفيسة وقد بسطت شجرة ضخمة على مائه ظلها، وكأنما ألقت صدأ على صفيحته أو وجهه العريض، وهى صورة بديعة. ولم يلبث النهر أن تراءى له مع حفافيه من النباتات والزروع كأنما يرتدى غلالة سندسية، وأيضا تراءى له مع ما تلقى عليه السرحة


(١) الديوان ص ٢٠٦ والمغرب ٢/ ٣٣٤.
(٢) رايات المبرزين (طبع القاهرة) ص ١١٩ والإحاطة ٢/ ٥١٤.
(٣) فاءت سرحة: بسطت ظلها. السرحة: الشجرة الضخمة. الهجيرة: نصف النهار عند اشتداد الحر.

<<  <  ج: ص:  >  >>