العهد وحنثت فى يمينك، بل قال لها متلطفا «نسيت» القسم والعهد بل الأقسام والعهود. وهو لطف ورقة حسّ ما بعدها رقة، ويترجم الباخرزى بعده لشاعر بدوى نجدى يسمى على بن حسان، وينشد له قوله:
سقيا لأيام التصابى ... مع كلّ خرعبة كعاب (١)
إذ نحن نرتع فى الهوى ... ونجرّ أردية الشّباب
والدّهر عنا غافل ... كالسيف يؤمن فى القراب
والأبيات سلسة سائغة، والصور والأخيلة فيها طريفة، وخاصة الصورة الأخيرة التى صور فيها الدهر وكأنه سيف احتواه غمده، فلم يعد يخيفهم ولا يرهبهم، فالسيف فى غمده، والدهر بهمومه يغشاه حجاب من الغفلة إلى حين. وينشد له الباخرزى من قصيدة قافية:
وحقّ لى وجدى على شادن ... أدقّ جسمى منه خصر دقيق
وشاهد يشهد فى خدّه ... أن ليس فى الحسن لهذا رفيق
فكلما عذّبنى هجره ... صحت من الوجد الحريق الحريق
فخصر الشادن الدقيق أنحل جسمه، وكأنما أعداه نحولا وضنى، وما أجمل البيت الثانى الذى جعل فيه من الخدّ شاهدا يشهد بحسنه وجماله بل بتفوقه على كل حسن وجمال. والحب يكوى فؤاده ويلذعه، وكأنه جمرات نار يصلى بها قلبه بل يحترق، وهو ينادى، الحريق الحريق. ويترجم الباخرزى بعده لشاعر أسدى من شعراء المديح ولمغنية بدوية تسمى أم كلثوم.
وإنما أطلنا عرض شعراء البدو فى الدّمية لأنها تكاد تكون المصدر الوحيد لشعراء نجد عامة فى الحقب الأولى من هذا العصر، فلولاها ما اتضح لنا شعر البدو فى القرنين الرابع والخامس الهجريين ولا أن البوادى كانت لا تزال تكتظ بالشعر والشعراء. ومن الغريب أن العماد الأصبهانى وزير صلاح الدين الأيوبى وشاعره الذى عنى مثل الباخرزى بالترجمة لشعر العالم العربى جميعه لم يعن بشعراء نجد ولا أفرد لهم صحفا فى خريدته إلا ما ذكره عن شعراء عقيل أصحاب إمارة الموصل وبواديه، أودعهم فى قسم الشام والجزيرة، وكذلك ما ذكره من شعراء بنى مزيد الأسديين أصحاب الحلّة وبواديها أودعهم قسم العراق، وبالمثل أودع شعراء الحجاز واليمن فى القسم الخاص بالشام، أو قل ألحقهم به، ولم يعن أى عناية بشعراء عمان والبحرين. وكتابه يعدّ المصدر العام الثانى بعد الدمية لشعراء الجزيرة العربية فى القرنين الخامس والسادس الهجريين. وقد صنفه فى مطالع العقد الثامن من القرن السادس، وهو يصرّح بذلك مرارا فى تضاعيفه.