للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من مدّاح نظام الملك الوزير السلجوقى ولشاعر من بنى عجل من شيبان من مدّاحه أيضا، ويبدأ مدحته فيه بوصف الخمر. ويتبعهما الباخرزى بثلاثة من الشعراء النجديين، ويقف وقفة طويلة عند شاعر من اليمامة يسمى على بن الأزهر، ويقول: «مما سحر لبّى من لبّ كلامه قوله:

ديارهم بالرّقمتين سقيت ... سحابا من الوسمىّ ثم وليت (١)

وما لك فى رىّ السحائب حاجة ... فقد طالما من مقلتىّ رويت

وكم قد سبتنى فيك من ذات برقع ... بأحسن عين للمهاة وليت (٢)

أيا بأبى الفوران طنّبت فيهما ... وأرض من الفورين كنت وطيت (٣)

وماء حللتيه وإن كان آجنا ... وروض رعيت العشب فيه رعيت

والصورة فى البيت الثانى بديعة، إذ ذكر، بعد أن دعا للديار بالسّقيا، أنها ليست فى حاجة إلى رى السحاب فقد طالما رويت من مقلتيه، وقد سبته صاحبته بعينيها وصفحة جيدها.

ويذكر فى البيت الرابع الفورين، وهما موضعان باليمامة كثيرا ما التقيا فيهما، ويهتف مفديا الأرض التى وطئتها قدماها وكل ما مرت به أو نزلت عنده من مياه ورياض. وفى البيت الخامس يشبع الكسرة فى كلمة «حللته» فتمتد تاء التأنيث على نحو ما تمتد فى عاميتنا المصرية. والكلمات محبوكة، وكل بيت يستدعى ما يليه فى سلاسة وعذوبة، ويستطيب الماء الذى حلت به وإن كان آجنا متغيرا، كما يستطيب الروض والعشب مع الدعاء لها، ويقول الباخرزى:

«ما أحسن ما جمع بين قوله: «رعيت العشب» على الإخبار و «رعيت» على الدعاء».

ويستعجل الشاعر الركب معه فى السير، وينشأ بينه وبين صاحبته حوار طريف على هذا النمط:

فقلت لهم سيروا ولا تتروّحوا ... فليس لنا وادى الغضا بمبيت

فقالت: ولم أمسيت تطوى بلادنا ... فقلت أمرتينى غداة نهيت

وقد كنت لا ترضين منهم بما أرى ... من الضّيم لى فاليوم كيف رضيت

وأقسمت أن لا تقبلى قول كاشح ... كذوب فكم أقسمت ثم نسيت

والحوار مع صاحبته طبيعى، ولكل بيت رقته وعذوبته ودقته، فلم يعد الغضا مبيتا صالحا لهما، وقد أمرته بالمسير غداة نهته، ولم تكن ترضى له بالضيم والهوان فرضيت، وكم أقسمت له وعاهدته أن لا تقبل فيه قول كاشح كاذب، ولم يقل لها-كما لاحظ الباخرزى-نقضت


(١) الرقمة: جانب الوادى والروضة. الوسمى: أول مطر الربيع.
(٢) الليت: صفحة العنق.
(٣) طنبت: أقمت. وطيت: سرت فيها.

<<  <  ج: ص:  >  >>