للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولم يذكر العماد لبنى عقيل أصحاب الموصل وبوادى الجزيرة سوى مسلم (١) بن قريش ابن أخى قرواش الذى مرّ ذكره، وهو أعظم أمراء هذه الأسرة سلطانا، إذ كان يستولى على ديار ربيعة ومضر فى نجد. وملك حلب من بنى مرداس، وبذلك قضى على إمارتهم فيها نهائيا، وأخذ الإتاوة من الروم. وكانت سيرته منذ ولى سنة ٤٥٣ من أحسن السير وأعدلها، وعمّ الأمن دياره، وكان يصرف الجزية فى جميع بلاده إلى الطالبيين من أبناء على بن أبى طالب. وكان هو وأهله شيعة إسماعيلية على مذهب الفاطميين، ومما يدل على ذلك أن قرواشا عمه خطب فى بلاده للحاكم صاحب مصر، كما يقول المؤرخون، ثم رجع عن ذلك خوفا من حكّام بغداد السلاجقة. وعنى هو وأفراد أسرته بنثر الأموال على الشعراء فأتوهم من بغداد وغير بغداد. وكان مسلم يجزل العطايا للشعراء، وحين قصده ابن حيّوس شاعر الشام وأنشده مدائحه فيه بالغ فى إكرامه. ويقول العماد الأصبهانى إنه أقطعه الموصل، غير أن ابن حيوس لم يلبث أن توفى، وخلف أكثر من عشرة آلاف دينار، فحمل ذلك إلى خزانة مسلم فردّه، وقال: لا يتحدّث الناس عنى أننى أعطيت شاعرا مالا، ثم شرهت فيه وأخذته، ويروى أنه لما ملك حلب هجاه بعض شعرائها، فسأل عنه، فقيل له: إنه من أهل قرية المعرّة رعيتك، فقال: أوصوا به الوالى ليحسن إليه، وحذّروه أن يجنى عليه، فهذا لا يعرفنا، ولو لم تكن له شكاية من والينا ما قال هذا القول (٢). وفى ذلك ما يدل على حصافته وبعد نظره وحسن سياسته وكان شاعرا يحسن صوغ الشعر ورصفه، وله مكاتبات شعرية مع منصور بن دبيس المزيدى أمير بوادى الحلّة وأنشد له العماد إحدى هذه المكاتبات، كما أنشد له شعرا شيعيّا، أو بعبارة أدق ثلاثة أبيات شيعية، ويروى له (٣):

وما كنت مجزاع الفؤاد وإنما ... فؤادى على بين الحبيب جزوع

وكانت سليمى للمحبين روضة ... ووصل سليمى روضة وربيع

والصورة فى البيت الثانى بديعة وتدلّ على شاعرية جيدة. وكان طموحا كريم النفس يطلب العلا مهما يكن مطلبها باهظا، وله فى ذلك مهوّنا من أهل عصره ومصغّرا:

وإنى لأحقر هذا الزمان ... ولا سيما أهل هذا الزمن

يريدون نيل العلا بالمنى ... ونيل العلا برغيب الثّمن

وكانت وقفة العماد عند بنى مزيد الأسديين أكثر طولا، وأول من ترجم له منهم بهاء الدولة


(١) انظر فى ترجمة مسلم الخريدة (قسم الشام) ٢/ ٢٥٥ وابن خلكان ٥/ ٢٦٧ والنجوم الزاهرة ٥/ ١١٩.
(٢) الخريدة قسم الشام ٢/ ١٢٨.
(٣) انظر فى هذين البيتين وما بعد هما هامش الخريدة فى ترجمة مسلم نقلا عن الوافى للصفدى.

<<  <  ج: ص:  >  >>