ويذكر الباخرزى أنه مدح الوزراء فى إيران ونال جوائزهم، وأنه أبعد فى الرحلة حتى غزنة. ويلم ببعض مدائحه وخمرياته، وينشد له أشعارا فى الغزل تذوب رقة، من مثل قوله:
ودّعينا-إن كنت أزمعت-جاره ... قبل أن يمنع الفراق الزياره
زوّدى وامقا أجدّ ارتحالا ... ما قضى فى مقامه أوطاره
لم يزل يحذر التفرق حتّى ... حققوا يوم رامتين حذاره
كان يكفيه-والمحبّ قنوع- ... وقفة أو تحيّة أو إشاره
كاعب فى الحجال يمنعها الزّو ... ر حياء يصونها وغراره
ذات ثغر كأنه حين يبدو ... عقد درّ أو أقحوان قراره
والأبيات تسيل عذوبة ورشاقة، والألفاظ فيها ملتحمة أوثق التحام، وكلما قرأنا بيتا فيها، بل شطرا، أحسسنا بجمال اتساقه، وأنه يتصل بسابقه اتصال ذوى الرحم والقرابة، وما أجمل قوله: «والمحب قنوع» فأى شئ يقنعه: وقفة أو تحية أو إشارة من بعيد. وقد عبّر عن حجابها وأنها لا تستطيع أن تراه تعبيرا ظريفا، إذ ذكر أنها فى الحجال والأستار داخل بيتها، ولا يصونها الحجاب وحده، بل يصونها أيضا حياؤها وخجلها. والمعانى رقيقة رقة بالغة، والصور جميلة وطبيعية، ولا تكلف، ولا تصنع، بل شاعر وامق يعبّر عن حبه وهيامه تعبيرا حافلا بالوجد والصبابة دون أى أثر للحب الحسى المادى وأدرانه، بل هو حب عذرى طاهر يخلو من كل إثم ووزر، سوى اللوعة. ويترجم الباخرزى لشاعر من غسان ولشاعر ثان بدوى، ثم لشاعر ثالث همدانى يسمى المنيع، وينشد له قطعة غزلية فى ابنة عم له تسمى ذؤابة شغفت قلبه حبا، وفيها يقول:
كأنّ ذؤابة فى القزّ تمشى ... ربيب مها ترتدى بالظّلال
وهى صورة بديعة، إذ يصور صاحبته وثوبها الهفهاف بمهاة فى يوم قيظ شديد الحرارة، وقد أوت إلى ظلال شجرة وسط الصحراء تتخذ منها غلالة تقيها حمارّة القيظ. ويمضى الباخرزى، فيترجم لشاعر من ربيعة ثم لشاعر عامرى يسمى قيسا، وكأنما يعيد لنا ذكرى قيس مجنون ليلى، وهو يكثر من الحديث عن ديار صاحبته ومعاهدها من مثل قوله:
قفا صاحبىّ قليلا عليّا ... ولا تعجلانى يا صاحبيّا
وعوجا على طلل داثر ... لريّا وأين من العين ريّا
معاهد لم يبق صرف الزما ... ن منها ومنّى إلا شويّا
«وشويّا» تصغير شئ بمعنى بقية قليلة، بالضبط كما نستعملها فى عاميتنا المصرية، وكأن لها أصلا صحيحا فى العربية، والأبيات تفيض بالوجد والحنين. ويترجم الباخرزى لشاعر شيبانى