وأنَّ أباهُ كان يَطُوْف به على المُرْضعَات فيُرْضِعْنَهُ حِسْبَةً حتَّى شَبَّ، ولَم يَدر أحَدٌ مَكْنُون سِرّ اللَّه في أمْره، فنَشَأ، وسَاقَهُ التَّقْديُر إلى أنْ علقَ بهِ شيءٌ من العَرَبِيَّةِ، وقادَهُ ذلك إلى الشُّرُوع في رُسُوم الاسْتِيْفاء، فلَم يَزَل الدَّهْرُ يَعْلُو به ويَنْخَفِضُ حَضَرًا وسَفَرًا، وكان يَطُوفُ في بلادِ خُرَاسَان، ووقَعَ إلى غَزْنَة في صُحبَةِ بَعْض المُتَصَرِّفيْن إلى أنْ تَنبَه بَخْتُهُ، وحَانَ وَقْتُه، ووَقَعَ في شُغْل أبي عليّ بن شَاذَان المُعْتَمد عليه ببِلْخ من جِهَة الأَمِير جَغْرِي حتَّى حَسُنَ حَالُهُ عند ابن شَاذَان، وظَهَرَ أثَرُ خِدمتِهِ، ولَاحَتْ آثارُ كِفَايَتِهِ، وصَار مَعْرُوفًا عند ذي أمْره، إلى أنْ تُوفِّي أبو عليّ بن شَاذَان، فذكر أنَّهُ أوْصَى إلى المَلِك ألْب أَرَسْلَان به، وذَكَرَ له كِفَايَته وأمَانَتُه واسْتِصَلاحُهُ لشُغْله، فنَصَبَهُ مكانَهُ، وصَارَ وَزِيرًا له.
والحال بَعْدُ مَسْتُورة، والدَّوْلَة مَغْمُورة، إلى أنْ انتهَت الدَّوْلَة الرُّكْنِيَّةُ نِهَاِيتها، وكانت وِلَايَة مَرْو لألْب أَرَسْلَان مُلْكًا، وهو الوَزِيرُ المُتَمكِّنُ من الأمْر، فاتَّفَقَت وَفَاةُ طُغْرِلبَك، ولَم يكُن له من الأوْلَادِ مَنْ يَنُوبُ مَنَابَهُ، فتوَجَّه الأمْرُ إلى ألْب أَرَسْلَان، وتعيَّن للسَّلْطَنَة، فتحرَّكَ عن مَرْو، والوَزِيرُ يُرَتِّبُ أمْرَه، ويُرَتِّب قَوَاعِدَ مُلْكهِ حتَّى زحَفَ إلى نَيْسَابُور وإفى العِرَاق، وخُطِبَ له على مَنَابِر خُرَاسَان والعِرَاق.
وارْتَفَعَ أمْرُ الصَّاحِب، وصارَ سَيِّد الوُزَرَاء، صَافِيًا له الوِرْدُ من سَنَة خَمسٍ وخَمْسِين وأرْبَعِمائة، وانْقَضَتْ أيَّامُ فتْرَة المَذَاهِب والرُّسُوم المَمْقُوتة في الدَّوْلَةِ الماضِيَةِ، وأظْهَرَ اللَّهُ مَكْنُون سِرِّه في دَوْلةِ نِظَام المُلْك، فَجَرَى له من الرُّسُوم المُسْتَحْسَنَة، ونَفْي الظُّلْم، وإسْقَاط المُؤْن والقسم، وحُسْن النَّظَر في أُمُور الرَّعِيَّةِ، وتقدير المُعَامَلات على سَنَن الإنْصَاف والعَدْل، وضَبْط الأُمُور، واسْتَقَامَتِ الأحْوَالُ، ورُتِّبَت الدَّوَاوِيْن أحْسَنَ تَرْتيب، وتَزَيَّنَتِ الأقْطَارُ بآثار العَدْل والإنْصَاف.