قال البوصيري: "إسناده صحيح رجاله ثقات". وقال العسقلاني في "الفتح" (٦/ ٦٢): "في إسناده ضعف مع مخالفته للأحاديث الصحيحة". قلت: أمّا ضعف الإسناد؛ فلجهالة تابعيّه معاوية بن حكيم؛ فإنّه لم يرو عنه إلّا يحيى بن جابر ولم يوثّقه أحد. وأمّا مخالفة المتن لأحاديث الصحيحين؛ فبيّنة. وهذا حدّ النكارة. وصحّحه الألباني ليتخلّص به من إشكال "الشؤم في ثلاثة"، فلا أصاب يرحمه الله من جهة السند ولا تخلّص من إشكالات "الشؤم في ثلاثة"! (١) لا بدّ لي من أجل توضيح هذه القضيّة من شيء من التفصيل والتحليل أسوقه فيما يلي: * أوّلًا: أنت تعلم أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الطيرة أصلًا لأنّها باب من أبواب الشرك كما جاء صحيحًا صريحًا في غير ما حديث. * ثانيًا: ما هو وجه الشرك في الطيرة؟ من الواضح جدًّا أنّ الأصل الاشتقاقيّ للطيرة هو "الطير"، كانوا يزجرون الطير ويتفاءلون بما طار منها إلى اليمين ويتشاءمون بما طار منها إلى الشمال. وأنت تعلم أنّه لم يأت في كتاب ولا سنّة ولا دليل علميّ أنّ الله تعالى نصب طيران الطيور إلى جهة ما سببًا لوقوع قدر من الأقدار أو دليلًا عليه، ومن زعم ذلك؛ فقد قال على الله بلا علم وقارف الشرك، تمامًا كما نصب الوثنيّون أوثانهم أسبابًا لقدر المغفرة والقربى من الله وكما نصب أهل النُّجوم نجومهم أسبابًا للسعود والنحوس. فهذا أصل الطيرة الشركيّة وفقه نهي النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عنها، وهو رأس الباب، فمن أحكمه؛ فلن يخفى عليه أنّ الاستدلال على الأقدار بحركات الحيوان أو نعيب البوم والغربان أو نباح الكلاب أو مواضع الأيدي أو أوّل ما يُنطق به من الحروف أو الكلمات أو أوّل ما يرى منها عند فتح المصحف أو رؤية العوران والعرجان أو غير ذلك ممّا يبتدعه الناس كلّ يوم؛ كلّ ذلك لاحق بالباب نفسه؛ لأنّه تعليق لأقدار الله بأسباب أو أدلّة ما أنزل الله بها من سلطان. * ثالثًا: بين الشؤم والطيرة: لا ريب أنّ الشؤم الذي أثبته النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الثلاث لون والطيرة الشركيّة التي نفاها لون آخر، وذلك لأمرين: أوّلهما: أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يقل "لا طيرة، وإن كانت الطيرة في شيء" بل غاير فقال "وإن كان الشؤم في شيء"، واختلاف المباني دليل على اختلاف المعاني. والآخر: أنّه من غير الممكن أن يرضى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لأمّته بشيء من الشرك مهما كان صغيرًا، بل لا بدّ أن يخلو الشؤم الذي أثبته - صلى الله عليه وسلم - من أدنى درجات الشرك. * رابعًا: فما هو الشؤم المأذون به إذًا؟ إذا كانت معادلة الطيرة المنهيّ عنها هي: الطيرة هي تعليق الأقدار بأسباب (أو الاستدلال عليها بأدلّة) ما أنزل الله بها من سلطان، ففيها مقارفة للشرك، ولذلك نهى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عنها. فيجب أن تكون معادلة الشؤم المأذون فيه إذًا: الشؤم هو تعليق الأقدار بأسباب (أو الاستدلال عليها بأدلّة) يقرّها الشرع أو العلم أو العقل، فليس فيه مقارفة للشرك، ولذلك أذن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - به. فلو أنّ رجلًا تزوّج امرأة، فرآها قليلة العقل والدين والخلق والحرص على نفسها كثيرة الدخول =