للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حصرها، وهذه كلها مما أباح الله سبحانه وتعالى وأباح لنا عصير هذه الأشياء، حتى ما تضعه في الماء من تمر أو من نبيذ، هذا كله مباح، إلا أن يصل إلى درجة الإسكار؛ فإذا بلغ ذلك الحد فهنا يأتي التحريم.

وكلام المؤلف هنا عن الأنبذة؛ كأنه الآن انتهى من الأطعمة ويريد أن يدخل في الأشربة، ولا شك أن الفقهاء عندما يتكلمون عن الأشربة فكل الأشربة قد أباحها الله سبحانه وتعالى لنا ما لم تكن خمرًا أو فيها ضرر يلحق بالإنسان، أو بها نجاسة؛ فهذه هي التي يمنع شربها، أما ما عدا ذلك فإن للإنسان أن يشرب ما شاء منها.

والخمر قد جاء تحريمها في كتاب الله سبحانه وتعالى وفي سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأجمع العلماء على ذلك، ولا شك أن الخمر كانت مما يتلذذ فيه العرب في جاهليتهم، وما أكثر ما تغنوا بها ورددوها في أشعارهم، ولكنّ عقلاءهم مع ذلك كانوا ينفرون منها، حتى إن أحدهم يقول:

رأيتُ الخمرَ صالحةً وفيها … خصاذ تفسدُ الرَّجُلَ الحليما

فلا واللّه أشربُها حياتي … ولا أدعو لها أبدًا نديما

لأنَّ الخمرَ تَفضحُ شاربيها … وتجنيهم بها الأمرَ العظيما

هذا هو قول المنقري؛ وهو من عقلاء العرب في الجاهلية، فإنه نظر إلى الخمر وما يترتب عليها من الأضرار، وكانت من أكثر ما يتلذذون به في جاهليتهم، وظلوا يشربونها حتى في أول الإسلام، وقد مرت الخمر بمراحل، لكن الشاعر هنا يقول: رأيت الخمر صالحة، وهي في الواقع ليست صالحة؛ لكن الذي يشرب الخمر يجد أنها ربما تعطيه نشوة، ربما تعطيه قوة ونشاطًا، وتجعله شجاعًا، هذه كلها من الخيالات، لأنه غاب فكره فأصبح لا يُفرق بين النافع والضار، وبين الصلاح والفساد، وربما وقع في بعض المنكرات التي تجره إلى الويلات.

وقد شُرِع حد الخمر للمحافظة على عقول الناس، التي وهبها الله سبحانه وتعالى لهم ليميزوا به بين النافع والضار، بين الخير والشر، بين الفساد والصلاح؛

<<  <  ج: ص:  >  >>