للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يكون لديهم من الأعمال مما هو خافٍ أكثر ما هو معلن وظاهر، وبذلك أيضًا يزداد الثواب.

ومعلوم أن من السبعة الذين يظلهم اللَّه في ظلِّه يوم لا ظل إلا ظله: "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" (١). يعني: يده التي هي جزء من جسده من كثرة ما يخفي هذه الصدقة، إنما يخفيها طلبًا لمرضاة اللَّه سبحانه وتعالى؛ ليحصل على ثواب ليجنب نفسه ويحصنها من الرياء، لا يريد أن يتظاهر بهذا العمل؛ لأنه عمل ذلك لوجه اللَّه سبحانه وتعالى، وابتغاء مرضاته (٢)؛ لأنه يسعى إلى جنة عرضها السموات والأرض؛ وإلى أن يكون من المتقين، قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)} [القمر: ٥٤، ٥٥]، وقال: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢)} [النبأ: ٣١، ٣٢].

إذن هذا هو الذي يسعى إلى الفضل، ولذلك نجد أنه ثبت عن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال في مثل هذا الميدان، ميدان العمل الصالح: "مَن فرَّج عن مسلم كربة من كرب الدنيا، فرَّج اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر، يسَّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره اللَّه في الدنيا والآخرة" (٣).

من وقف على عيب أخيه المسلم، ثم ستره؛ لئلا يفضحه، فاللَّه سبحانه وتعالى


(١) أخرجه البخاري (١٤٢٣) عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (١٠٣١/ ٩١)، ولفظه: "ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله".
(٢) قال ابن الجوزي: "وفي حديث: "سبعة يظلهم اللَّه في ظله" ذكر فيهم: "رجلًا قد تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". فذكر الناس في هذا أقوالًا: فقال بعضهم: لا يعلم جليسه عن شماله. وقال قوم: لا يرائي بنفقته فلا يكتبها صاحب الشمال. والصواب: أنه للمبالغة، وأنه بالغ في الكتم، فلو تصور أن لا تعلم شماله ما علمت. انظر: "كشف المشكل" (٣/ ٣٩٨).
(٣) أخرجه مسلم (٢٦٩٩/ ٣٨)، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من نَفَّسَ عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نَفَّسَ اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومَن يسَّر على معسر، يسَّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا، ستره اللَّه في الدنيا والآخرة، واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. . . " الحديث.

<<  <  ج: ص:  >  >>