للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكثرة ما فيه من هموم وأحزان؛ لأن الشيب مما يتسارع عند تفاقم الشدائد والمحن، أو كناية عن طوله، وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة، فيشيبون.

وقال تعالى: {وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} ١ أي: ما فيها من الدقائق والخزائن أسند الفعل وهو الإخراج إلى الأرض التي هي مكان متعلق الإخراج، وهو الشيء المخرج، وحقه أن يسند إلى الله تعالى. والأصل: وأخرج الله من الأرض أثقالها.

فكل ما تقدم من الأمثلة مجازات عقلية، أسند فيها الفعل إلى غير ما هو له، وهو غيض من فيض مما ورد في الذكر الحكيم.

غير أن السكاكي مع هذا أنكر٢ المجاز العقلي, ورده إلى الاستعارة بالكناية، وجعل كل ما ذكر من أمثلة المجاز العقلي من قبيل الاستعارة بالكناية, فالاستعارة عنده في نحو قولهم: "شفى الطبيب المريض" في لفظ "الطبيب" الذي هو الفاعل المجازي، لا في الإسناد.

بيان ذلك أنه يريد "بالطبيب" الفاعل الحقيقي مبالغة بقرينة نسبة الشفاء إليه, وتقرير الاستعارة عنده -على ما فهم من مذهبه- أن يشبه الفاعل المجازي "كالطبيب" في المثال المذكور بالفاعل الحقيقي، وهو "الفاعل المختار" في تعلق الفعل بكل منهما -على ما سبق- ثم يذكر المشبه، ويراد به حقيقة المشبه به بواسطة قرينة هي أن ينسب إليه شيء من لوازم المشبه به "كالشفاء" في هذا المثال، وكالأنشاب في "أنشبت المنية أظفارها".


١ أثقال جمع ثقل بفتح التاء والقاف وهو في الأصل متاع البيت، فالتفسير المذكور تفسير مراد والإسناد في هذه الآية إلى المفعول به بواسطة حرف البحر وهو "من" وليس الإسناد إلى الظرف المكاني؛ لأن الأرض ليست مكانا للفعل, إذ لا يقال أخرج فيها بل أخرج منها؛ لأن الأثقال مخرجة منها لا فيها، والمكان الملابس للفعل هو مكان الفعل وملابسته له لوقوعه فيه.
٢ الحامل له على هذا الإنكار تقليل الانتشار وتقريب الضبط لاعتبارات البلغاء بإرجاع أمثلة المجاز العقلي إلى الاستعارة بالكناية, ويرد عليه بأن ذلك ليس بأولى من العكس.

<<  <  ج: ص:  >  >>