مرادك، ووقفت على مقصودك، وما أراك إلا وقد غلبت، فأدّ ما بايعت عليه فلست بالذي تغضبني أبدا، وبعد يا بنيّ فقد قيل إن بقّة جلست على ظهر فيل، فلما أرادت أن تطير قالت له: استمسك فإني أريد الطيران، فقال لها الفيل: والله يا هذه ما أحسست بك لما جلست فكيف أستمسك إذا أنت طرت؟! والله يا ولدي ما تحسن أن تسأل ولا تفهم الجواب فكيف أستفيد منك؟
وحدثني محب الدين محمد بن النجار قال: حضر الوجيه النحوي بدار الكتب التي برباط المأمونية، وخازنها يومئذ أبو المعالي أحمد بن هبة الله، فجرى حديث المعرّي، فذمّه الخازن وقال: كان عندي في الخزانة كتاب من تصانيفه فغسلته، فقال له الوجيه: وأيّ شيء كان هذا الكتاب؟ قال: كان كتاب نقض القرآن، فقال له: أخطأت في غسله، فعجب الجماعة منه وتغامزوا عليه، واستشاط ابن هبة الله وقال له: مثلك ينهى عن مثل هذا؟ قال: نعم لا يخلو أن يكون هذا الكتاب مثل القرآن أو خيرا منه أو دونه، فإن كان مثله أو خيرا منه وحاش لله أن يكون ذلك فلا يجب أن يفرّط في مثله، وإن كان دونه وذلك ما لا شكّ فيه فتركه معجزة للقرآن فلا يجب التفريط فيه، فاستحسن الجماعة قوله ووافقه ابن هبة الله على الحقّ وسكت.
وكان الوجيه رحمه الله حنبليا ثم صار حنفيا، فلما درّس النحو بالنظامية صار شافعيا، فقال فيه المؤيد أبو البركات محمد بن أبي الفرج التكريتي ثم البغدادي، وكان أحد تلامذته، وسمعته من لفظه غير مرة:
ألا مبلغ عنّي الوجيه رسالة ... وإن كان لا تجدي إليه الرسائل
تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل ... وذلك لما أعوزتك المآكل
وما اخترت دين الشافعي تديّنا ... ولكنما تهوى الذي هو حاصل
وعما قليل أنت لا شكّ صائر ... إلى مالك فافطن لما أنا قائل
وأنشدني الوجيه لنفسه في التجنيس:
أطلت ملامي في اجتنابي لمعشر ... طغام لئام جودهم غير مرتجى
ترى بابهم لا بارك الله فيهم ... على طالب المعروف إن جاء مرتجا
حموا مالهم والدين والعرض منهم ... مباح فما يخشون من هجو من هجا