فسلمت واعتاقت جناني هيبة ... تنازعني القول الذي أنا قائله
فلما تأملت الطلاقة وانثنى ... إليّ ببشر أنّستني مخايله
دنوت فقبلت الندى من يد امرىء ... جميل محياه سباط أنامله
صفت مثل ما يصفو المدام خلاله ... ورقّت كما رقّ النسيم شمائله
فهشّ الجميع وأخذ كلّ منهم يصف حسن ألفاظها ورشاقة معانيها وجودة مقاصدها، وجعلوا يقولون هذا هو السهل الممتنع والفضل المتسع والديباج الخسرواني والزهر الأنيق، وأطنبوا في ذلك وحقّ لهم، فقلت ارتجالا:
لمن تنظم الأشعار والناس كلهم ... سواسية إلا امرؤ أنا جاهله
ولو علموا أن اللهى تفتح اللها ... دروا أنّ ذا الشعر ابن خاقان قائله
وكان الوجيه قد التزم سماحة الأخلاق وسعة الصدر فكان لا يغضب من شيء، ولم ير من أحد قطّ حردان، وشاع ذلك عنه وبلغ ذلك بعض الخلفاء «١» ، فقال: ليس له من يغضبه، ولو أغضب لغضب، وخاطروه على أن يغضبه فجاءه فسلّم عليه ثم سأله عن مسألة نحوية فأجابه الشيخ بأحسن جواب ودلّه على محجة الصواب فقال له:
أخطأت فأعاد الشيخ الجواب بألطف من ذلك الخطاب وسهّل طريقته وبيّن له حقيقته، فقال له: أخطأت أيها الشيخ، والعجب ممن يزعم أنك تعرف النحو ويهتدى بك في العلوم، وهذا مبلغ معرفتك، فلاطفه وقال له: يا بنيّ لعلك لم تفهم الجواب، وإن أحببت أن أعيد القول عليك بأبين من الأول فعلت، قال له: كذبت لقد فهمت ما قلت، ولكن لجهلك تحسب أنني لم أفهم، فقال له الشيخ وهو يضحك: قد عرفت