ولم تكن السابقة في الإسلام والقرابة والمصاهرة هي المزايا الوحيدة لولاية علي - رضي الله عنه - هذا المنصب الخطير، ولكن كان له بالإضافة إلى ذلك من القدرة والكفاءة ما لا ينكر؛ فشجاعته وإقدامه، وذكاؤه وعقليته القضائية النادرة، وحزمه الذي اشتهر به في مواقفه، وصلابته في الحق، وبعد نظره في تصريف الأمور حتى كان الخليفة عمر - رضي الله عنه - يأخذ برأيه إذا التبست عليه الأمور، كل هذه العوامل تجعله بلا منازع المرشح الوحيد لإمامة المسلمين في تلك الفترة الحساسة من حياتهم.
• تتجه مآخذ بعض المؤرخين والباحثين إلى أن علياً - رضي الله عنه - لم يكن رجل دولة وسياسة يهيمن على مجرى الأمور.
وليس ثمة من شك بأنه يوجد من الدلائل ما يؤكد أن علياً - رضي الله عنه - كان ذكياً بصيراً بالأمور، حصيف الرأي، وكان أبو بكر وعمر وعثمان يعرفون ذلك، فاتخذوه مستشاراً لهم في أمور السياسة حتى أن عمر - رضي الله عنه - كان يتعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسين.
والواقع أن الأمر ليس أمر ضعف وقصور في الرأي وإخفاق في السياسة، بل اختلف الوضع عما سبق، فتناول هذا الاختلاف تغير الجماعات المحيطة بالخليفة فهو غير أصحاب أبي بكر وعمر، إذ يغلب على هؤلاء عنصر الأعراب والموالي، وشتان ما بين الفئتين.
وتناول هذا الاختلاف أيضاً مركز الخلافة الذي انتقل من الحجاز حيث السنة النبوية إلى العراق، حيث تتحكم المصلحة والنزاعات الشخصية والأهواء.
ويلمس المرء كذلك تغيير في الأفكار وتعدد في المذاهب من جراء الفتنة ولا شك أن هذا الانقسام في الآراء والاختلاف في وجهات النظر أدى إلى مزيد من الفرقة والخلاف مما أضعف بطبيعة الحال مركز الخليفة وقبضته على زمام الأمور.
وإذا كانت رياح التغيير مؤشراً على تبادل الأحوال في عهد علي - رضي الله عنه -، فإن موقفه ظل رغم ذلك كله لم يتلون بلون ذلك الجيل، ولم يرغب أن يواكب التطور الحادث، إذ آثر الإخفاق في كل شيء على الإخفاق في راشديته وعدله.
ولئن كانت السياسة هي التطوع لروح العصر ومسراه، وانتهاز الفرص، وتحقيق المصالح الذاتية والمنافع الشخصية للحاكم والجماعات المحيطة به، فإن علياً لم يكن سياسياً بهذا المعنى. وإن كانت السياسة حسن الفهم والدراية والتعقل، والسعي لتحقيق المصلحة العامة للأمة، فعلي - رضي الله عنه - كان على درجة عظيمة من ذلك.
والقول الفصل أن علياً كان من خير رجال السياسة والحكم لو بقي عصر الخلافة الراشدة كما كان عليه في أيامه الأولى، أما وروح الزمان كانت تسير على غير ما كانت تسير عليه، فمذهبه في السياسة لم يعد مناسباً لتلك الأوضاع، ولذلك في نظر البعض غير سياسي.
• تضافرت الروايات في تاريخ الإمام الطبري على أن خروج عائشة وطلحة والزبير إلى العراق كان قصد الإصلاح وطلب الثأر لعثمان الذي قتل بغير حق، وإعزاز الإسلام بأخذ القصاص من الخوارج المحلين، بل إن علياً أيضاً لم ير في سيره إليهم إلا الإصلاح وجمع الكلمة.
وبعد سفارة القعقاع بن عمرو - رضي الله عنه - لم ير طلحة والزبير وعائشة - رضي الله عنهم - أمثل من الصلح، حيث يبدو اقتناع طلحة والزبير بحجة عليّ في التريث وعدم استعجال أمر القصاص من قتلة عثمان حتى تهدأ الأحوال ويتوطد مركز الخلافة فيأخذ العدل مجراه.
وقد بات الناس على نية الصلح والعافية في كلا المعسكرين وهم لا يشكون في الصلح، وبات الذين أثاروا الفتنة بشر ليلة إذ أشرفوا على الهلاك، خاصة بعد أن خطب عليّ في الناس وطلب منهم أن يرتحلوا في الغد، ولا يرتحل معه أحد أعان على عثمان بشيء، فجعلوا يتشاورون، تكلم ابن سبأ وهو المشير فيهم، فأشار عليهم بإنشاب الحرب سراً في الغلس.