عمل شعرا لم أسمع أحسن منه، وفى الأبيات بيت واحد ليس كسائرها، فعلم أنى قد وقفت على البيت. فقلت: لو أسقطت هذا البيت، فضحك، وقال لى: أتراك أعلم بهذا منى؛ إنما مثل هذا مثل رجل له بنون جماعة، كلهم أديب جميل متقدم، ومنهم «١٦٣» واحد قبيح متخلّف، فهو يعرف أمره، ويرى مكانه؛ ولا يشتهى أن يموت؛ ولهذه العلة ما وقع مثل هذا فى أشعار الناس؛ حدثنيه على بن هارون، عن على بن العباس الكانب، قال: قال مثقال الشاعر: قلت لأنى تمام: تقول الشعر الجيّد، ثم تقول البيت الردئ! فقال: مثل هذا مثل رجل له عشرة بنين واحد أعمى، فلا يحب أن يموت.
قال الشيخ أبو عبيد الله تعالى: وهذه حجة ضعيفة جدا؟
أخبرنى الصولى، قال: حدثنى هارون بن عبد الله المهلبى، قال: قال دعبل: أبو تمام يحيل فى شعره؛ من ذلك قوله «١٦٤» :
أفىّ تنظم قول الزّور والفند «١٦٥» ... وأنت أنزر من لا شئ فى العدد [١٩٢]
قال أبو الحسن أحمد بن يحيى المنجم: حدثنى أبو الغوث يحيى بن البحترى، قال:
سألت أبى عن دعبل، فقال: يدخل يده فى الجراب ولا يخرج شيئا.
قال: قلت: فأبو تمام؟ قال: مغلق، إلا أنه ما مات حتى أصفى من الشعر.
حدثنى على بن يحيى، عن على بن مهدى الكسروى، قال: من أشهر ما عيب به أبو تمام قوله «١٦٦» :
كانوا رداء «١٦٧» زمانهم فتصدّعوا ... فكأنما لبس الزمان الصّوفا
ولعمرى إن هذا اللفظ سخيف.
قال: ومما عيب به قوله «١٦٨» :
ولقد أراك، فهل أراك بغبطة ... والعيش غضّ، والزّمان غلام