للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن هنا تبين لنا أن مخالفة العرف للأدلة الشرعية تتنوع أنواعًا مختلفة بحسب الحالات التي تؤدي إلى النتائج المختلفة وذلك في أنواع ثلاثة:

١- النوع الأول: مخالفة العرف النص الشرعي من كل وجه.

٢- النوع الثاني: مخالفة العرف من بعض الوجوه.

٣- النوع الثالث: تعارض العرف والاجتهادات الفقهية للناس.

وها أنا أبين بإيجاز رأي الفقهاء في كل نوع من الأنواع الثلاثة.

أولًا – مخالفة العرف النص الشرعي من كل وجه:

إذا خالف العرف الشرع من كل وجه فلا يعتبر العرف مطلقًا، وذلك فيما إذا اصطدم العرف بنص تشريعي خاص من نصوص الكتاب أو السنة يأمر بخلاف ما جرى عليه العرف، فلا اعتبار للعرف في هذه الحالة، كالأحكام التي كانت متعارفة في الجاهلية وحرمها الإسلام لمصادمة تلك الأعراف لإدارة الشارع في موضوع أصبح المسلم مكلفًا بتطبيق النص والأخذ به، فلا يجوز إهماله وإعمال العرف (١) ومثال ذلك أيضًا: العقود التي نهى الإسلام عن إبرامها كالملامسة والمنابذة، وكذلك ما تعورف عليه في الجاهلية من الغزو واستباحة الحقوق ونكاح الشغار وإثبات ولد الزنا والتبني.

ولو عاود الناس المعاملة بها وأصبح عرفًا، فإنه لا يعتبر شرعًا وهو باطل.

استثناء من الحكم العام: ويستثنى من ذلك ما إذا كان النص حين نزوله أو حين صدوره عن المشرع مبنيًّا على عرف قائم ومعللًا به، فإن النص عندئذ يكون عرفيًّا فيدور مع العرف ويتبدل بتبدله، مثال ذلك: حديث الربا الوارد في الأصناف الستة، فإنه نص على أن الربا يحصل في مبادلة هذه الأصناف إذا لم يحصل التساوي فيما بينها، فإذا حصل، فلا ربا، فما هو مقياس التساوي؟

لقد ترك ذلك للعرف فما كان وزنيًّا كالذهب والفضة اعتبر فيه الوزن، وما كان كيليًّا كالحنطة والشعير والملح والتمر اعتبر فيه الكيل.

والملاحظ أن الحديث نص على التساوي الوزني في الذهب والفضة والتساوي الكيلي فيما عدها، غير أن العرف تبدل في هذه الأوزان، فأصبحت الحنطة والتمر والشعير والملح توزن وزنًا ولا تكال كيلًا، فأي العرفين يعتبر هنا؟ لقد أجاب ابن عابدين عن ذلك، فبعد أن ذكر رأي بعض فقهاء المذهب في عدم جواز بيع الحنطة بالحنطة إلا كيلًا والذهب بالذهب إلا وزنًا لنص رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، أورد رأي أبي يوسف الذي يقضي بصحة بيع الحنطة بمثلها وزنًا والذهب بمثله كيلًا، فقد علل رحمه الله النص بالعادة، بمعنى أن الشارع عندما نص على بيع الحبوب كيلًا وعلى الذهب والفضة وزنًا لكونهما كانا في ذلك الوقت كذلك، فالنص جاء موافقًا للعادة، حتى لو كانت في ذلك الوقت وزن البر وكيل الذهب لورد النص على وفقها، فلما كانت العادة هي المنظورة إليها في الحكم المذكور، فإذا تغيرت تغير الحكم، فليس في اعتبار العادة المتغيرة الحادثة مخالفة للنص، بل فيه اتباع للنص (٢) .


(١) الأستاذ الخياط في نظرية العرف: ص ٦٠
(٢) انظر رسالته في العرف: ص ٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>