الطفل الأكبر تلك الروح الفارسية العالية والفخار والتكبر والزهو والسكينة والثبات أمام التهديد والوعيد كما تجد الحب إزاء النعومة واللطف والميل والاستسلام.
فلم يكن من الشقي الصغير إلا أن خرج على وجهه يطلب الحديقة لكي يخفي خجله وخزيه، وكان ذلك عقاب له حتى يستشعر جريرة ذنبه، على أن الأبوين لم يلبثا أن ندما وأحسا الحنان، فمشيا إلى الحديقة لرؤية الأزهار، أو لتنسم الرياح واستنشاق علائل الهواء، أو لتفقد البطاطس أو لأي عذر من الأعذار، يستطيعان ادعاءه ليخفي كل عن صاحبه غرضه الحقيقي، ومقصده الأول من الذهاب إلى الحديقة، وكو لكي يرى ما إذا كان من المنفي وما كان من علامه، فلما تقدما خطوات في البستان، لم يشهدا أثراً للمذنب الصغيرـ، ولكنهما لم يكادا يقتربان من التعريشة الدانية الأغصان إلى البحيرة حتى سمعا صوتاً طفولياً عالياً صخاباً عميقاً، فأصاخا إلى تلك الأغنية التي كان يترنم بها الطفل، فأشار الوالد إلى زوجته أن تسكت وتستخفي وتخف الخطى، وتقتدي به في حركاته الخافتة، ففعلت كما أشار وكان الوالدان أشبه في ذلك بالأطفال إذ يلعبون لعبة الاستخفاء، وقد أطلا من خلال الأغصان ينظران خلسة إلى الطفل وكان منظر لا ينساه كل منهما آخر الحياة، إذ ألفيا الطفل يلوح بيده مطرقاً برأسه وهو منطلق في غناء تعلمه من مرضعه وأنشودة أخذها عن مربيته، وأمامه بضع ضفادع، رافعات الرؤوس محلقات الأبصار، جالسات فوق حافة البركة أشبه شيء بصف من الحضور النقادين جالسين في المقاعد الأول من التياتر وينقدون الممثلين ويرقبون حركاتهم.
فلم يستطع الوالد أن يمسك نفسه عن البقاء في مكانه بل انطلق من مكمنه فظهر أمام الطفل وهو يصرخ هالو! فلم يكن من الضفادع إلا أن هربت إلى الماء فغابت فيه.
فأجاب دمبلس عليها بصرخة مثلها، وهو فرح مسرور ونسي حزنه الأول. فسأله أبوه: أتغني للضفادع يا بني؟
قال الطفل وهو يعلم أن له رقابة شديدة على الحيوانات والحشرات، نعم ولخنفساوين اثنتين، وكان هنا الساعة ضب ولكنه لم يشأ البقاء.
فقالت الأم وهي تحتضن عظيمها: وهل تظن يا بني أنها تستلطف غناءك؟
فقال الطفل: إني أعتقد ذلك وأؤكد أتنها تحب الغناء فإنها عندما يروقها شيء تنفخ برقابها