أَحدهَا أَن الترف الطبيعي للْملك على مَا يَأْتِي أَن شَاءَ الله تَعَالَى يكثر عوائد الدولة حَتَّى لَا يَفِي دَخلهَا بخرجها ويزداد ذَلِك فِي الاجيال الْمُتَأَخِّرَة إِلَى أَن يقصر الْعَطاء عَن تِلْكَ العوائد وَيُطَالب صَاحبهَا بحصر النَّفَقَات فِي الحروبفلا يجد أَرْبَابهَا محصيا عَن ذَلِك فينزع مَا بأيدي الْكثير مِنْهُم لنَفسِهِ أَو لِبَنِيهِ وَذَوي صنائعه فيضعفون هم لذَلِك ويضعف هُوَ بضعفهم
الثَّانِي أَن تقتصر الْعَطاء عَن النَّفَقَات إِذا كثر الترف يضْطَر السُّلْطَان إِلَى الزِّيَادَة فِيهِ وَمِقْدَار الجباية لَا يُوفي بذلك وان زيد فِيهِ بأحداث المكوس بَقِي بعد محدودا فَإِذا وزع على الاعطيات وَقد زيد فِيهَا لما كثر من الترف نقص عدد الحماية ثمَّ لَا يزَال الترف يتزايد والاعطيات كَذَلِك بِسَبَبِهِ إِلَى أَن يعود الْجَيْش إِلَى اقل الاعداد فتضعف الحماية ويتجاسر على الدولة من يجاورها من الدول وَمن تَحت ايديها من العصائب ويتأذن الله تَعَالَى بالفناء الَّذِي كتبه على خليقته
الثَّالِث أَن الترف مُفسد لِلْخلقِ بِمَا يُوهم فِي النَّفس من الوان الشّعْر والسفسفة فتذهب فتذهب مِنْهُم خلال الْخَيْر الَّتِي كَانَت عَلامَة على نيل الْملك ويتصفون بنقيضها من خلال الشَّرّ الدَّالَّة على الادبار والانقراض وَتَأْخُذ الدولة مبادئ العطب وَينزل بهَا امراض مزمنة من الْهَرم إِلَى أَن يقْضِي عَلَيْهَا
قلت هُوَ معنى قَول أفلاطون إِذا اقبلت المملكة خدمت الشَّهَوَات الْعُقُول وَإِذا ادبرت خدمت الْعُقُول الشَّهَوَات لانه لَا حَامِل على الترف إِلَّا حب الشَّهَوَات
الْبَيَان الثَّالِث أَن الدعة الطبيعية للْملك على مَا يَأْتِي أَن شَاءَ الله تَعَالَى تصير عِنْد اتخاذها مألفا وخلقا وجبلة شَأْن العوائد كلهَا فتنشأ