الله تَعَالَى يعلم الْأَشْيَاء كلهَا بِنَحْوِ التعقل لَا بطرِيق التخيل فَلَا يغرب عَن علمه مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء لَكِن علمه تَعَالَى لما كَانَ بطرِيق التعقل لم يكن ذَلِك الْعلم مَانِعا من وُقُوع الشّركَة، وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن لَا يكون بعض الْأَشْيَاء مَعْلُوما لَهُ تَعَالَى، بل مَا تُدْرِكهُ على وَجه الإحساس والتخيل هُوَ يُدْرِكهُ على وَجه التعقل، فالاختلاف فِي نَحْو الْإِدْرَاك لَا فِي الْمدْرك، فَإِن التَّحْقِيق أَن الْكُلية والجزئية صفتان للْعلم، وَرُبمَا يُوصف بهما الْمَعْلُوم لَك بِاعْتِبَار الْعلم، وَبِهَذَا لَا يسْتَحقُّونَ الإكفار وتعقل الجزئيات من حَيْثُ إِنَّهَا مُتَعَلقَة بِزَمَان تعقل بِوَجْه جزئي يتَغَيَّر، وَأما من حَيْثُ إِنَّهَا غير مُتَعَلقَة بِزَمَان فتعقل على وَجه كلي لَا يتَغَيَّر]
(وَأما قَوْله تَعَالَى: {إِلَّا لنعلم} وأشباهه فَهُوَ بِاعْتِبَار التَّعَلُّق الحالي الَّذِي هُوَ منَاط الْجَزَاء قَالَ القَاضِي فِي قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ بعثناهم لنعلم} ليتعلق علمنَا تعلقا حاليا مطابقا لتَعَلُّقه أَولا تعلقا استقباليا فَلَا يلْزم مِنْهُ أَن يحدث لَهُ تَعَالَى علم) ، فَإِن الْعلم الأزلي بالحادث الْفُلَانِيّ فِي الْوَقْت الْفُلَانِيّ غير متغير وَإِنَّمَا هُوَ قبل حُدُوث الْحَادِث كَهُوَ حَال حُدُوثه وَبعد حُدُوثه [غير متغير] وَإِنَّمَا جَاءَ الْمُضِيّ والاستقبال من ضَرُورَة كَون الْحَادِث زمانيا، وكل زمَان محفوف بزمانين: سَابق ولاحق، فَإِذا نسبت الْعلم الأزلي إِلَى الزَّمَان السَّابِق قلت: قد علم الله، وَإِذا نسبت إِلَى الزَّمَان الحالي قلت: يعلم الله وَإِذا نسبت إِلَى الزَّمَان اللَّاحِق قلت: سَيعْلَمُ الله فَجَمِيع هَذِه التغيرات انبعثت من اعتباراتك، وَعلم الله وَاحِد لِأَن علمه لَازم لوُجُوده الأول، وَفعله ملازم لعلمه، أما بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ فعلى سَبِيل الِاتِّحَاد، وَأما بِالنِّسْبَةِ إِلَى الموجودات فعلى سَبِيل الِاعْتِبَار فَلَا يسْتَدلّ بتغيرها على تغير، وبعدمها على عَدمه (وَيعلم جَمِيع الجزئيات على وَجه جزئي فَعِنْدَ وجودهَا يعلم أَنَّهَا وجدت، وَعند عدمهَا يعلم أَنَّهَا عدمت، وَقبل ذَلِك يعلم أَنَّهَا ستوجد وستعدم) وَلَا مَانع من أَن يكون الْعلم فِي نَفسه وَاحِدًا ومتعلقاته مُخْتَلفَة ومتغايرة، وَهُوَ يتَعَلَّق بِكُل وَاحِد مِنْهَا على نَحْو تعلق الشَّمْس بِمَا قابلها واستضاء بهَا، وَكَذَا على نَحْو مَا يَقُوله الْخصم فِي الْعقل الفعال لنفوسنا فَإِنَّهُ مُتحد وَإِن كَانَت متعلقاته متكثرة ومتغايرة
(وَزعم الفلاسفة أَنه تَعَالَى يعلم الجزئيات على وَجه كلي هربا من تجدّد علمه تَعَالَى) وَالْعلم الَّذِي هُوَ قسم من أَقسَام التَّصْدِيق أخص من الْعلم بِمَعْنى الْإِدْرَاك، إِذْ الْعلم المتقابل للْجَهْل يَنْتَظِم فِي التَّصْدِيق والتصور، بسيطا كَانَ أَو مركبا
وَالْعلم: حُصُول صُورَة الشَّيْء فِي الْعقل
والملاحظة: استحضار تِلْكَ الصُّورَة وَكلما تحقق الاستحضار تحقق الْحُصُول بِلَا عكس لجَوَاز تحقق الْحُصُول دون الاستحضار
وَالْعلم يُطلق على ثَلَاثَة معَان بالاشتراك: أَحدهَا يُطلق على نفس الْإِدْرَاك
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://shamela.app/page/contribute