للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

"الاعتبار بالحقائق والمعنى لا باختلاف الألفاظ، فإذا قالوا: ما نعبدهم وإنما نتبرك بهم، لم ينفعهم ذلك، ما داموا فعلوا فعل المشركين من قبلهم، وإن لم يسموا ذلك عبادة، بل سموه توسلًا أو تبركًا، فالتعلق بغير الله، ودعاء الأموات، والأنبياء، والصالحين، والذبح لهم، أو السجود لهم، أو الاستغاثة بهم، كل ذلك عبادة ولو سموها خدمة، أو سموها غير ذلك؛ لأن العبرة بالحقائق لا بالأسماء كما تقدم" (١).

ويقول الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-: "والآن عَبَدَة القبور يقولون: هذا ليس بشرك، هذا توسُّل، وهذا محبة للأولياء والصالحين. إن أولياء الله الصالحين لا يرضون بهذا العمل، ولا يرضون أن تُجعل قبورهم أوثانًا تُعبد من دون الله، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "اللَّهُمَّ لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٢)، فدلّ على أن تعظيم القبور والتبرك بها يجعلها أوثانًا تُعبد من دون الله.

فالحاصل؛ أن هذا فيه دليل على أن العبرة في المعاني لا في الألفاظ، فاختلاف الألفاظ لا يؤثر، وإن سموه توسّلًا، أو سموه إظهارًا لشرف الصالحين، أو وفاءً بحقهم علينا -كما يقولون-، هذا هو الشرك، سواء بسواء، فالذي يتبرّك بالحجر أو بالشجر أو بالقبر قد اتخذه إلهًا، وإن كان يزعم أنه ليس بإله، فالأسماء لا تغير الحقائق، إذا سمّيت الشرك، توسلًا، أو محبة للصالحين، أو وفاءً بحقهم، نقول: الأسماء لا


(١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٣/ ١٣٩).
(٢) أخرجه الإمام مالك في الموطأ (١/ ١٧٢)، برقم (٤١٤)، مرسلًا عن عطاء بن يسار، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ١٥٠)، برقم (٧٥٤٤)، عن زيد بن أسلم عن النبى - صلى الله عليه وسلم -، وللحديث طريق آخر عند أحمد بلفظ: "اللَّهُمَّ لا تجعل قبري وثنًا لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. قال الشيخ الألباني: "وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير حمزة بن المغيرة وهو المخزومي وهو ثقة بلا خلاف". [انظر: الثمر المستطاب في فقه السُّنَّة والكتاب (١/ ٣٦١)].