بِتَصْحِيحِ نُسْخَتِهِ أَشَدُّ مِنَ اعْتِنَاءِ غَيْرِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ التَّشْدِيدِ إِلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا إِنْ قَابَلَ الطَّالِبُ بِنَفْسِهِ مَعَ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُقَلِّدُ غَيْرَهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَقْرَأُ سَطْرًا مِنَ الْأَصْلِ ثُمَّ يَقْرَأُهُ بِعَيْنِهِ، فَهَذَا لَا يُفِيدُ ; لِأَنَّ الشَّخْصَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْمُقَابَلَةِ بِنَفْسِهِ مَعَ نَفْسِهِ مِنْ نُسْخَتَيْنِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَقْرَأُ كَلِمَةً أَوْ كَلِمَتَيْنِ فِي كِتَابِ نَفْسِهِ، ثُمَّ يَقْرَأُ ذَلِكَ فِي الْأَصْلِ، فَهَذَا يَصِحُّ، إِلَّا أَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَتَّفِقَ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ التَّطْوِيلِ الَّذِي يَضِيعُ بِهِ الْعُمُرُ.
قَالَ الْخَطِيبُ: وَلْيَجْعَلْ لِلْعَرْضِ قَلَمًا مُعَدًّا، ثُمَّ سَاقَ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ لَاجَّهُ فِي أَمْرِ الْحَدِيثِ: اسْكُتْ فَإِنَّكَ أَبْغَضُ مِنْ قَلَمِ الْعَرْضِ.
فَائِدَةٌ: قَدْ مَضَى فِي الْبَابِ قَبْلَهُ حِكَايَةُ اسْتِحْبَابِ لَفْظِ الدَّارَةِ الْفَاصِلَةِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ عِنْدَ الِانْتِهَاءِ مِنْ مُقَابَلَةِ كُلِّ حَدِيثٍ لِئَلَّا يَكُونَ بَعْدُ فِي شَكٍّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ عَقِبَ كُلِّ بَابٍ أَوْ كَرَّاسٍ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ الْعَرْضُ، وَرُبَّمَا اقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْإِعْلَامِ بِذَلِكَ، آخِرَ الْكِتَابِ حَتَّى كَانَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَازْكُلِّيُّ يَكْتُبُ مَا نَصُّهُ: صَحَّ بِالْمُعَارَضَةِ وَسَلِمَ بِالْمُقَابَلَةِ مِنَ الْمُنَاقَضَةِ، وَذَلِكَ مِنَ الْبَسْمَلَةِ إِلَى الْحَسْبَلَةِ.
[صِحَّةُ السَّمَاعِ بِدُونِ النَّظَرِ فِي الْكِتَابِ] :
(وَلْيَنْظُرِ السَّامِعُ) اسْتِحْبَابًا (حِينَ يَطْلُبُ) أَيْ: يَسْمَعُ (فِي نُسْخَةٍ) إِمَّا لَهُ أَوْ لِمَنْ حَضَرَ مِنَ السَّامِعِينَ أَوِ الشَّيْخِ، فَهُوَ أَضْبَطُ وَأَجْدَرُ أَنْ يَفْهَمَ مَعَهُ مَا يَسْمَعُ، لِوُصُولِ الْمَقْرُوءِ إِلَى قَلْبِهِ مِنْ طَرِيقَيِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ كَمَا أَنَّ النَّاظِرَ فِي الْكِتَابِ إِذَا تَلَفَّظَ بِهِ يَكُونُ أَثْبَتَ فِي قَلْبِهِ ; لِأَنَّهُ يَصِلُ إِلَيْهِ
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://shamela.app/page/contribute