للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الصلاح (١)، تَبَعاً لغيره (٢).

والأَولى في الجمع أنْ يُقال: إنَّ نَفْيَه - صلى الله عليه وسلم - للعدوى باقٍ على عُمومه (٣)، وقد صح قولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: (لا يُعْدِي شيءٌ شَيئاً) (٤)، وقولُهُ - صلى الله عليه وسلم - لمن عارضه بأن البعيرَ


(١) في "مقدمته" ص ٢٨٤.
(٢) قد ذَكر الحافظ ابن حجر، رحمه الله، في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" أقوال الأئمة في تفسير هذا الحديث بالتفصيل في ١٠/ ١٥٩ - ١٦٣، ولم يُرجِّح بين أقوالهم المتعددة، سِوى أنه رَدّ فكرة الترجيح بينه وبين حديث: (وفِرّ مِن المجذوم كما تفرُّ مِن الأسد)، و (لا يُورَدَنّ مُمْرِضٌ على مُصِحّ)، وقال: "طريق الترجيح لا يُصار إليه إلا مع تعذُّر الجمع، وهو ممكِنٌ"، ١٠/ ١٥٩. وأقواله الآتية في تفسير هذا الحديث لم تَخرج عن تلك الأقوال التي نقلها في الفتح.
(٣) وقوله: "والأَولى … لا يُعْدي شيءٌ شيئاً". يقال فيه: بل هذا الجمع لا يصح أن يُفسَّر به حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فضلاً عن أنْ يكون هو الأَولى -على ما أَوْضحتُهُ قبل قليل- مع احترامنا لإمامنا المبجَّل.
والقاعدة أنّ: المعنى الظاهر في حديثٍ، لا يصح أن يُتْرَك إلا لحديثٍ آخر يَنْسخه أو يُقيّده، أو يُخصّصه. إنه لا تَعارُضَ بين قَدَر الله ومشيئته وبين شريعته سبحانه، كما لا تَعارُضَ بين الأحاديث الثابتة الواردة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشأن العدوى. ولولا ضِيقُ المساحة هنا لأطلتُ التوضيحَ. ويُمْكنُ للراغب في الزيادة الرجوع لكتابي: "مَدْخل لدراسة (مشْكل الآثار) "، وكتابي: "منهجيّة فقه السنّة النبوية: قواعدُ ومنطلقاتٌ نظريّة وأمثلةٌ تطبيقيةٌ".
(٤) أخرجه الترمذي، ٢١٤٣، القَدَر، وأحمد، ٤١٨٦. لكنه حديثٌ ضعيفٌ لإبهامِ راوٍ في سنده، هو شيخُ أبي زرعة بن عمرو بن جرير؛ إذْ قال أبو زُرعة: "حدّثنا صاحبٌ لنا عن ابن مسعود"، به. وللأسف أنّ بعض المتقدمين وبعض المتأخرين فسَّرُوا بهذا الحديث الأحاديثَ الثابتةَ الواردةَ في هذا الباب في الصحيحين وغيرهما! وعلى افتراض صحة هذا الحديث؛ فليس مراداً به ظاهرُهُ في مخالفته للأحاديث الصحيحة تلك، المراد بها نَفْيٌ مخصوص للعدوى -وهو ما كان يَعتقده أصحابُ الجاهلية مِن أوهامٍ- لا نفْياً عامّاً لسُنّة الله في الخَلْق.

<<  <   >  >>