للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الحَدَثَ أَبداً أَو فِي غَالِبِ الأَمر غِرٌّ لم يَتَحنَّكْ، ولم يرتَضْ في صناعته (١) رياضةً تُبَلِّغه مبالغ الشيوخ الراسخي (٢) الأَقدام فِي تِلْكَ الصِّنَاعَةِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا فِي المَثَلِ:

وابنُ اللَّبُون إِذا مَا لُزَّ فِي قَرَنٍ ... لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعيسِ (٣)

هَذَا إِن حملنا الحَدَثَ على حداثة السن، وهو نصٌّ فِي (٤) حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فإِن حَمَلْنَاهُ (٥) عَلَى حَدَثَانِ الْعَهْدِ بِالصِّنَاعَةِ، وَيَحْتَمِلُهُ قوله في الحديث (٦): "وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرذلهم" (٧)، وَقَوْلُهُ: "وَسَادَ الْقَبِيلَةَ فَاسِقُهُمْ" (٨) وَقَوْلُهُ: "إِذا أُسند الأَمر إِلى غَيْرِ أَهله" (٩)، فَالْمَعْنَى فِيهَا وَاحِدٌ، فإِن الْحَدِيثَ الْعَهْدَ بالشيءِ لَا يَبْلُغُ مَبَالِغَ الْقَدِيمِ الْعَهْدِ فِيهِ.

ولذلك يحكى عن الشيخ أَبي مَدْيَن (١٠) رحمه الله: أَنه سئل عن


(١) في (م): "صناعة".
(٢) في (خ): "الراسخين".
(٣) البيت لجرير بن عطية، انظر: "ديوانه" برواية محمد بن حبيب (١/ ١٢٨). و"ابن اللبون": هو ولد الناقة إذا استكمل سنتين، فأمه لبون؛ لأنها وضعت غيره، فصار لها لبن، وهو في هذه الحالة ضعيف. و"لُزَّ": شُدّ. و"القَرَن": الحبل. والبعيران إذا قُرِنا في قَرَنٍ واحدٍ فقد لُزّا. و"البُزْلُ": جمع بازِلٍ، وهو من الإبل ما كان في التاسعة؛ لأن نابه يَبْزُل؛ أي: ينْشَقّ ويطلع. و"القناعيس": جمع قِنْعاس، وهو الجمل الضخم العظيم. و"الصولة": الوثبة والسَّطوة
وهذا البيت قاله جرير بن عطيّة يعرِّض فيه بِعَدِيّ بن الرِّقاع العاملي، ويقول له: إن ابن اللبون إذا ما قُرِن ببازِلٍ؛ لم يُطِقْ ما يطيقه البازل من الصبر على السير العنيف، فكذلك الشاعر الضعيف لا يستطيع مصاولة الشاعر الفحل، ولا مجاراته؛ أراد بذلك الفخر على مَهْجُوِّه عدي بن الرقاع. انظر شرح العلاّمة محمود محمد شاكر لـ"طبقات فحول الشعراء" للجُمَحي (٢/ ٣٨٥).
(٤) قوله: "في" ليس في (ر) و (غ).
(٥) في (م): "عملناه".
(٦) قوله: "في الحديث" ليس في (خ) و (م) و (ت).
(٧) تقدم تخريجه (ص٤٢٣).
(٨) تقدم تخريجه صفحة (٤٢٤).
(٩) تقدم تخريجه صفحة (٤٢٠).
(١٠) هو: شعيب بن حسين الأندلسي، الزاهد، شيخ أهل المغرب، كان من أهل العمل والاجتهاد، منقطع النظير في العبادة والنسك. انظر: "السير" (٢١/ ٢١٩).