وقفنا على تاريخ مدينة أدب من آثارها القديمة المطمورة في أنقاضها منذ قرون عديدة بيد إننا لا نستطيع اليوم أن نلم بتاريخها إلماما وافيا وليس في وسعنا أن نحيط علما بأخبار ملوكها وأمرائها كل الإحاطة لأنه لم يتسن للنقابين الأميركيين نبش كل روابيها. وعليه عزمنا على أن ندون ما تيسر لنا من تاريخها حتى يتيح الحظ لأحد الأثريين استئناف الحفر والتنقيب فحينئذ نستوفي البحث عنها بصورة مستفيضة.
لم تكن بابل دولة عظيمة الشأن في أول عهدها أي قبل اتحاد إماراتها بعضها ببعض فقد كانت دويلات مستقلة الواحدة عن الأخرى كل الاستقلال وكان لكل مدينة منها ملك وآلهة خاصة بها وكان سكان كل قطر من أقطارها يقاتلون قتال المستميتين ويضحون بأعز ما يملكون في الذود عن حياض استقلالهم وكانت أدب في ذلك الزمن إحدى تلك المدن التي نازلت من ناوأها وثارت في وجه من هم بالسيطرة عليها وإذلالها وقد ارتقت إلى أعلى منزلة في الحضارة والعمران في صدر تاريخ بابل القديم.
وإذا ألقينا نظرة على الأزمنة المتوغلة في القدم أي قبل نحو عشرة آلاف سنة حينما أخذ البابليون الأولون يشقون أسس مدينة أدب ليستوطنوها نجد (نار مراتو) كان يغمر في ذلك العهد معظم أطراف بلاد بابل ولا يبعد أن هذه المدينة كانت واقعة على ضفة خليج فارس أو بالقرب منه. هذا ومعرفتنا لسكانها الأصليين قليل جدا إذ ليس في استطاعة أحد الأثريين أن يجاهر باسمهم جليا ولا بما كانت عليه لغتهم وديانتهم وعنصرهم وجنسهم ولون بشرتهم إلى آخر ما هنالك من المسائل الغامضة بل لا يعرف مؤرخ معرفة صادقة القطر الذي نزحوا منه ولا كم من الزمن مكثوا في هذه الربوع. وكل ما يمكننا قوله إن آثارهم التي خلفوها تدل دلالة ساطعة على إنهم كانوا شعبا متمدنا