للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

"أقول: صانهما - (يعني شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم) - الله عن هذه الوهمة الشنيعة، والنسبة الفظيعة ومن طالع شرح منازل السائرين - (يعني مدارج السالكين) - ... تبين له أنهما كانا من أهل السنة والجماعة بل ومن أولياء هذه الأمة ...

وأنه - (أي شيخ الإسلام) - بريء مما رماه أعداؤه الجهمية من التشبيه والتمثيل على عادتهم في أهل الحديث والسنة بذلك ...

وذلك ميراث من أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم في رميه ورمي أصحابه بأنهم صباة قد ابتدعوا ديناً محدثاً، وهذا ميراث لأهل الحديث والسنة من نبيهم بتلقيب أهل الباطل لهم بالألقاب المذمومة".

ثم ذكر العلامة القاري الحنفي بيتين إرغاماً للمعطلة:

فإن كان تجسيماً ثبوت صفاته ... وتنزيهها عن كل تأويل مفتر

فإني بحمد الله ربي مجسم ... هلموا شهوداً واملئوا كل محضر

ثم ذكر نبذة من عقيدة الإمام أبي حنيفة التي تمثل عقيدة السلف عامة ولاسيما الإمام أبو حنيفة ومالك إمام دار الهجرة ثم أقرها وصرح أن عقيدته - (ابن القيم) - عين عقيدة الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فقال: "ثم بين في الشرح المذكور - (يعني بين ابن القيم في (مدارج السالكين)) - ما يدل على براءته من التشنيع المسطور والتقبيح المزبور وهو ما نصه: "إن حفظ حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها، وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى أفهام العامة، ولا نعني بالعامة الجهال، بل عامة الأمة كما قال مالك رحمه الله: "الاستواء معلوم والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".

فرق بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة، وبين الكيف الذي لا يعقله البشر، وهذا الجواب من مالك رحمه الله شافٍ عامٌ في جميع مسائل الصفات من السمع والبصر والعلم، والنزول والغضب والرحمة والضحك، فمعانيها كلها معلومة، وأما كيفيتها فغير معقولة، إذ تعقُّلُ الكيفِ فرعُ العلم بكيفية الذات، وكنهها، فإذا كان ذلك غير معلومٍ فكيف يعقل لهم كيفية الصفات؟.

والعصمة النافعة في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله -صلى الله عليه وسلم- من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يثبت له الأسماء والصفات، وينفي عنه مشابهة المخلوقات، فيكون إثبات منزهاً عن التشبيه ونفي منزهاً عن التعطيل، فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطل، ومن شبهه باستواء المخلوقات على المخلوق فهو مشبه، ومن قال: هو استواء ليس كمثله شيء فهو الموحد المنزه".انتهى كلامه - (أي ابن القيم) - وتبين مرامه، وظهر أن معتقده موافق لأهل الحق من السلف ... فالطعن الشنيع والتقبيح الفظيع غير موجه عليه ولا متوجه إليه فإن كلامه بعينه مطابق لما قاله الإمام الأعظم، والمجتهد الأقدم في (فقهه الأكبر)، ما نصه: "وله تعالى يد ووجه ونفس .. له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطالُ الصفةِ، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف ... " (١).٥ - وبعدما ذكرنا من نصوص أئمة الحنفية لا نحتاج إلى مزيد، ولكن مع ذلك أود أن أقدم للقراء نص كلام العلامة الشاه محمد أنور الكشميري الحنفي (١٣٥٢هـ) محدث الديوبندية والذي يبجله الكوثري وأبو غدة ويعظمانه ويبجلانه غاية الإجلال بله الديوبندية إطراء وغلواً (٢).


(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٨/ ٢٥١ - ٢٥٢)، و ((نقل العلامة نعمان الألوسي في جلاء العينين)) (ص ٤٢)، جملة منه عن ((شرح الشمائل)) للملا على القاري.
(٢) انظر ((مقالات الكوثري)) (ص ٣٥٩)، ومقدمة أبي غدة لكتاب ((التصريح بما تواتر في نزول المسيح)) (ص ١٢ - ٣٢) فترى عجائب من المجازفات والغلو فيه.

<<  <  ج: ص:  >  >>