للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وذكرت في ضمن ذلك كلام الخطابي الذي نقل أنه مذهب السلف وهو: "إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، إذ الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يحتذى فيه حذوه، ويتبع فيه مثاله. فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات تكييف، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات تكييف".

فقال أحد كبراء "المخالفين": فحينئذ يجوز أن يقال: هو جسم، لا كالأجسام".فقلت له أنا وبعض الفضلاء الحاضرين: "إنما قيل: إنه يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس في الكتاب والسنة أن الله جسم، حتى يلزم هذا السؤال ... " (١).

إلى آخر كلام طيب قامع ودامغ لهذه الشبهة الواهية، شبهة التشبيه".٣ - الإمام بدر الدين العيني الحنفي رحمه الله (٨٥٥هـ) الذي يبجله الكوثري ويجله غاية الإجلال ويرجحه على الحافظ ابن حجر كما يرجح "عمدته" على "فتحه" بل طعن في ابن حجر دفاعاً عن العيني (٢).

فقد ذكر العيني عقيدة شيخ الإسلام وأقرها وقال في الدفاع عنه والرد على أعدائه من الماتريدية والأشعرية:

" ... بل الخالق سبحانه وتعالى بائن من المخلوقات ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته ... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١] لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل يوصف الله بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله -صلى الله عليه وسلم- من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل فلا تمثل صفاته بصفات خلقه، ومذهب السلف إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل، وقد سئل الإمام مالك - رضي الله عنه- عن قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥]، فقال: "الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة".فهذا الإمام - أي شيخ الإسلام- كما رأيت عقيدته، وكاشفت سريرته، فمن كان على هذه العقيدة كيف ينسب إليه الحلول والاتحاد، أو التجسيم أو ما يذهب إليه أهل الإلحاد ... " (٣).

قلت: كلام الإمام البدر العيني صريح في أن إثبات الصفات بلا تكييف ولا تمثيل ليس من باب التشبيه في شيء. وفي نصه عبرة للماتريدية ولاسيما الكوثرية كما أنه نص صريح على سلامة عقيدة شيخ الإسلام!.٤ - العلامة الملا على القاري الحنفي (١٠١٤هـ) الذي يُكْبُرهُ الكوثري ويقول فيه: "إنه ناصر السنة" (٤) وجعله الكوثري في قائمة كبار أئمة الحنفية (٥).

فقد دافع القاري جزاه الله خيراً - دفاعاً كاملاً عن شيخ الإسلام وابن القيم، ورد على من رماهم بسوء الاعتقاد والتجسيم، والتشبيه والضلال، وأقر عقيدة السلف في الصفات وأنها لا تستلزم التشبيه كما دافع عن أهل الحديث ورد على من يطعن فيهم بالتشبيه والحشو.

ثم حقق أن عقيدة شيخ الإسلام وابن القيم هي بعينها عقيدة الإمام أبي حنيفة رحمه الله؛ فمما قال العلامة القاري:


(١) ((المناظرة حول العقيدة الواسطية، المطبوعة ضمن العقود الدرية)) (ص ١٤٥ - ١٤٦)، و ((ضمن مجموع الفتاوى)) (٣/ ١٦٧ - ١٦٨).
(٢) انظر ((التاج اللجيني)) (للكوثري) (٤/ ٩)، وانظر ((مكانة البدر العيني عند الحنفية في مفتاح دار السعادة)) (١/ ٢٤٣)، و ((الفوائد البهية)) (ص ٢٠٧)، و ((فقه أهل العراق)) (ص ٧٣).
(٣) ((من تقريظ الإمام البدر العيني على الدر الوافر)) (ص ١٦٤ - ١٦٥).
(٤) انظر ((تبديد الظلام)) (ص ١٠٠).
(٥) انظر ((فقه أهل العراق)) تحقيق أبي غدة و ((تقريظ البنوري)) (ص ٧٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>