سنين، أما ولادته كعالم للأمة فكان عند وضعه وضوءًا للنبي ﷺ فقَالَ:«مَنْ وَضَعَ هَذَا فَأُخْبِرَ فَقَالَ اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»(١)، فإنَّ وقت دعاء النبي ﷺ وقت ولادة ابن عباس في العلم والفهم، وكذلك ابن عمر ولد في الشريعة والعلم وقت هذا الحديث، فعُلِمَ أنه له فهمًا وعلمًا وأدبًا وحياءًا.
الفائدة الرابعة: استحباب الحياء ما لم يؤد لتفويت مصلحة، وحياء ابن عمر لم يفوت مصلحة؛ لأنَّ النبي ﷺ قد أجاب عن السؤال، أما عمر فقد اعتبر أنَّ ابنه فوت مصلحة، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ:«لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا»، وذلك لأن ابن عمر ربما لو أجاب لكان دعا له النبي ﷺ فقد فاتته الدعوة، وكذلك فاته الحظوة، والمكانة في الدين.
الفائدة الخامسة: أنَّ الدنيا لا تساوي شيئًا في الآخرة، قال عمر ﵁:" لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا، أَوْ قَالَ: مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ".
الفائدة الثامنة: فيه دليل على علو فهم الصحابة، وتمييزهم بين سؤال وسؤال، فإنَّ الصحابة قد أجابوا هنا واجتهدوا، ولكنهم وقعوا في شجر البوادي، لأنهم لم يلتفتوا لقرائن الحال كوجود الجمار.
وقد ثبت أنَّ النبي ﷺ سألهم في مواضع فأجابوا بقولهم: الله ورسوله أعلم كما جاء في حديث أبي بكرة عند البخاري وكان في حجته ﷺ«أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ:«أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ:«أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٤١) ح ١٤٣، وأخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ١٩٢٧) ح ٢٤٧٧.