لخلع الظاهر قانصوه، فخلع من السلطنة في الحال. ثم إن الخليفة بايع الأتابكي جان بلاط بالسلطنة، وتلقب بالأشرف، وكنى بأبي النصر، على لقب أستاذه الأشرف قايتباي، فلما تمت بيعته، أحضر إليه شعار الملك، وهو الجبة والعمامة السوداء، فأفيض عليه ذلك الشعار، وقدمت إليه فرس النوبة، فركب من سلم الحراقة الذي بباب السلسلة، ورفعت على رأسه القبة والطير، وركب الخليفة عن يمينه، ومشت الأمراء بين يديه … واستمر في ذلك الموكب حتى طلع من باب سر القصر، وجلس على سرير الملك، وقبل له الأمراء الأرض من كبير وصغير، ثم خلع على الخليفة وألزمه أن ينتقل من يومه ويسكن بالقلعة. ونودي باسمه في القاهرة، وارتفعت له الأصوات بالدعاء، وكان ملء العيون، كفئا للسلطنة، وافر العقل سديد الرأي.
وفي حالة سلطنته رسم بالإفراج عن الأمير قاني بك الرماح أمير آخور كبير، وكان مشكوكا في الحديد عند الأمير طومان باي الدوادار، وقد قاسى من البهدلة والأنكاد ما لا يعبر عنه. وكذلك الأمير طراباي عنده في الترسيم أيضا. فخلع السلطان على قاني باي الرماح، وأعاده إلى الأمير اخورية الكبرى، وأطلق طراباي وأنس باي شاد الشرب خاناه، وأبقاهما على وظائفهما. ثم أنه عين الأتابكية إلى قصروه نائب الشام، وكان يظن أنه يدخل تحت طاعته، وكان الأمر بخلاف ذلك، وقيل أنه تسلطن في ساعة الشمس.
وفي يوم الثلاثاء ثالثه جلس في شباك الدهيشة، وعرض مماليك الظاهر قانصوه، ومسح منهم جماعة. وفيه، في ذلك اليوم، بعث الأمير طومان باي الدوادار نحوا من ثلثمائة فرس من خيوله الخاصة التي كانت عنده لما حضر من الشام.
وفي يوم الخميس خامسه فرق السلطان الأضحية على الأمراء والجند ومن له عادة. ثم خلع لى بدر الدين بن مزهر وأعاده إلى كتابة السر، وعزل أخاه كمال الدين عنها، وأعيد الشهابي بن ناظر الخاص إلى نظر الجيش، وعزل عبد القادر القصروي وأعاده في الترسيم، وقرر عليه مالا له صورة. وخلع على جلال الدين بن الصابوني وأعاده إلى نظر الخاص. وعزل شهاب الدين بن الرملي عنها وسلمه إلى طراباي على مال قرر عليه.
وفيه خلع السلطان على قيت الرحبي، وأعيد إلى حجوبية الحجاب، وبطل سفره إلى طرابلس نائبا. وخلع على أزبك الناشف، وقرره في نيابة القلعة عوضا عن جان بلاط الأبح، بحكم اختفائه، ثم عين قصروه الصغير بأن يمضي إلى قصروه نائب الشام بالبشارة بسلطنته، وظن أن قصروه يسر بسلطنته، فما ازداد إلا عصيانا، وأرسل إليه بالحضور ليلى الأتابكية، فلم يجب قصروه إلى ذلك، وتمادى على ما هو عليه من العصيان.