جاسوسا من عند أحد من الفرنج، ثم أراد الأمير سنقر أن يقتل رفيقه فاستجار بالملك الناصر وزعم أنه لا يعرف شيئا مما كان يعمله رفيقه، فقال له الملك الناصر:"أخرج من دمشق في هذه الساعة، ولا تقم بها فيقتلوك" فخرج من وقته.
قال ابن كثير إن الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب هو أول من قرر الخدام الخصيان بمدينة النبي ﷺ، ولم يكن بها أحد من الخدام قبل ذلك، وكان سبب تقريره للخدام أن بني حسن لما تغلبوا على الخلفاء الفاطمية، وأظهروا العصيان، وصاروا يجهرون عند الأذان بقولهم:"حي على خير العمل"، وهو مذهب الشيعة .. فلما تولى مصر الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب استمال بني حسن، وأغدق عليهم الأموال والهدايا حتى أذنوا له أن يجعل على المدينة الشريفة جماعة من قبله، فقرر بالمدينة الشريفة أربعة وعشرين خادما خصيا، وجعل عليهم شيخا من الخدام يقال له بدر الدين الأسدي، ووقف على مجاري المدينة الشريفة بلدين من أعمال الصعيد - وهما نقادة وقبالة، وهما إلى الآن جاريتان في أوقاق الحرمين - وكان شيخ الحرم النبوي إذا قدم من المدينة على الملوك يقومون له ويجلسون إلى جانبهم ويتبركون به لقرب عهده من تلك الأماكن الريفة … واستمر الأمر على ذلك إلى أيام الملك الأشرف برسباي.
ومما أنشأه الملك الناصر صلاح الدين يوسف بالديار المصرية من آثار الخير، خانقاه سعيد السعداء التي بالقرب من باب النصر، وأنشأ المدرسة السيوفية التي بالقرب من باب الزهومة، وأنشأ المدرسة التي بجوار الإمام الشافعي - وكانت ساحة - وهو الذي أقام بمجد السادة الشافعية وقدمهم على غيرهم من المذاهب، وأنشأ المدرسة الصلاحية التي بالقدس الشريف عند ما استخلص بيت المقدس من يد الفرنج، وله غير ذلك من الآثار الحسنة أشياء كثيرة بالديار المصرية والبلاد الشامية، واستخلص بلادا كثيرة كانت تحت يد الفرنج من البلاد الإسلامية.
واستمر الملك الناصر صلاح الدين يوسف قائما بأمور الديار المصرية حتى سافر إلى البلاد الشامية في أواخر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، فلما دخل إلى الشام أقام بها مدة يسيرة ومرض ومات، فكانت وفاته في صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة، ومات وله من العمر إحدى وسبعون سنة.
ولما مات دفن بدمشق بمدرسة مجاهد الدين، وكانت مدة سلطته بالديار المصرية أربعا وعشرين سنة بما فيها من أيام محمود بن زنكي الشهيد.