للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فلما بلغ العاضد ذلك انقهر وعمد إلى فص من الألماس فابتلعه، فمات من يومه ودفن، فكانت وفاته في عاشر المحرم كما تقدم.

فلما مات العاضد أرسل نور الدين الشهيد إلى صلاح الدين تقليدا بولاية مصر نيابة عنه.

قيل لما استولى صلاح الدين يوسف على حواصل الخلفاء الفاطمية استعرض ما فيها من السلاح والأموال، فأرسل إلى نور الدين ما استحسنه من السلاح الفاخر والتحف، وصار بعد ذلك يبيع ما فضل من السلاح وغيره نحو عشر سنين غير ما اصطفاه لنفسه.

ثم أن صلاح الدين صار مستوليا على مصر نيابة عن نور الدين الشهيد حتى توفي نور الدين محمود بن زنكى، وكانت وفاته في سنة تسع وستين وخمسمائة، ودفن بدمشق في جامع الكلاسة، وكان يلقب بالملك العادل، وهو المجاهد المرابط فاتح بيت المقدس من أيدي الفرنج، وفاتح الثغور الإسلامية من البلاد الشامية، وهو الذي تعصب لبني العباس ورد لهم الخطبة بمصر وأعمالها، وأبطل ما كان يخطب باسم الفاطمية.

قال الهروي إن في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة انخسفت المغارة المدفون فيها إبراهيم الخليل ، فنزل إليها جماعة فوجدوا فيها ابراهيم واسحق ويعقوب ، وقد بليت أكفانهم، وهم مستندون إلى حائط المغارة وعلى رءوسهم قناديل من ذهب وفضة، فلما بلغ نور الدين ذلك أمر بأن تجدد لهم أكفان جدد، وأن يسد عليهم ما انخسف من المغارة.

فلما توفي نور الدين الشهيد انفرد صلاح الدين يوسف بمملكة الديار المصرية والبلاد الشامية، وصفا له الوقت، فأزال ما كان بمصر من العساكر الملفقة - وكانوا ما بين صقالبة وكدانة ومصامدة وأرمن وشناترة العرب والعبيد السود - فمحا تلك الطوائف جميعها، واتخذ بمصر عساكر من الأكراد خاصة، فكانت عدتهم اثنى عشر ألف فارس من شجعان الرجال الذين لا يكلون من الحروب.

ثم إن صلاح الدين يوسف نظر في أحوال الرعية، وأمر بإسقاط المكوس جميعها التي حدثت في أيام الفاطمية، وكتب بذلك مساميح بخط القاضي عبد الرحيم الفاضل صاحب ديوان الإنشاء، وقرئت على المنابر في الجوامع بعد صلاة الجمعة، وكان قدر ما أبطله من المكوس في كل سنة ما ينوف عن مائة ألف دينار، فلما قرئت تلك المساميح ضج له الناس بالدعاء وأحبته الرعية فكان كما قيل:

دولته للأنام عيد … باق وأيامه مواسم

<<  <  ج: ص:  >  >>