للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بابندر. وقيل أنه جز رأسه بالسيف عدة مرار وهي لا تنقطع فقطعها بسكين صغير وعذبه غاية العذاب. فلما طلع النهار وجدوا جثته بغير رأس وهي مرمية على قارعة الطريق، وعورته مكشوفة، حتى ستره بعض الغلمان بحشيش من الأرض. فسبحان من يعز ويذل، بيده كل شيء وهو على كل شيء قدير. وقيل في المعنى:

ما أعجب الدهر في تقلبه … والدهر لا تنقضي عجائبه

فكم أرانا الدهر من أسد … بالت على رأسه ثعالب

فلما قطعت رأس يشبك بعث بها بابندر إلى بلاد العجم، عند يعقوب بن حسن الطويل، فكان له يوم مشهود بمدينة ماردين، وطافوا بها بلاد العجم، وهي على رمح، وألبسوا رأس الأمير يشبك تخفيفته الكبيرة لما طافوا بها، وطافوا بالنواب والأمراء الذين أسروا وهو في قيود وجنازير، والمماليك الذين أسروا مشاة. وأرسل بابندر إلى يعقوب بن حسن بجميع ما نهبه من العسكر من مال وخيول وسلاح وقماش وبرك وغير ذلك مما لا يحصى. وكانت هذه الكسرة على عسكر مصر من الوقائع الغريبة. وكانت قتلة الأمير يشبك في العشر الأخير من رمضان سنة خمس وثمانين وثمانمائة بالرها … وكان الأمير يشبك أميرا جليلا معظما في سعة من المال، ذا شهامة زائدة وحرمة وافرة، وكلمة نافذة، وان أصله من مشتريات الظاهر جقمق. وكان يعرف بيشبك بن مهدي، ورقي في دولة الأشرف قايتباي، حتى صار صاحب الحل والعقد بالديار المصرية، واجتمع فيه عدة وظائف سنية، منها الدوادارية الكبرى، وأمرية سلاح، والوزارة والاستادارية الكبرى، وكاشف الكشاف، ومدبر المملكة، وغير ذلك. فعظم أمره جدا، ووقع له أشياء غريبة، لم تقع لغيره من أبناء جنسه في عصره. ومات وله من العمر نحو من ست وخمسين سنة، وقد وكزه الشيب قليلا. وكان صفته أبيض اللون مدور الوجه، أشهل العينين، أشقر اللحية، طويل القامة، مليء الجسد. وأنشأ أشياء كثيرة من العمائر بالديار المصرية ما بين ربوع وحوانيت ودور جليلة وصهاريج ومغسل وأسبلة وزوايا. وأنشأ قبة بالمطرية، وقبة برأس الحسينية، وكان له في كل سنة عدة شقادف محملة على جمال ومعها الزاد والماء تلاقي الحجاج من العقبة بسبب المنقطعين من الحجاج. وله غير ذلك أشياء كثيرة من الوجوه البر والمعروف. وكانت له محاسن ومساو، وفيه الخير والشر. وقد ساقه أجله حتى خرج

<<  <  ج: ص:  >  >>