فخرجت تحت الليل وأتت إلى دار الأمير سيف الدين بن رواش، وكان أكبر أمراء الحاكم.
فلما دخلت عليه اختلت به وعرفته أنها أخت الحاكم فبالغ في تعظيمها، فقالت له:"أنت تعلم ما قد فعله أخي بالرعية من القتل والجور وخراب البلاد، وقد عول على قتلي وقتلك". فقال لها الأمير سيف الدين:"وكيف الحيلة في قتله؟ ". فقالت له:"الرأي عندي أنك تندب إليه جماعة من العبيد السود يقتلونه إذا خرج إلى حلوان، فانه ينفرد بنفسه في الطريق، فيخرجون عليه ويقتلونه. فإذا قتل تكون أنت المدبر للملكة من بعده، وتولى ولده عليا". فاتفقا على ذلك ثم مضت إلى قصرها، فلما أصبح النهار خرج الحاكم على عادته إلى نحو حلوان، فأرسل الأمير سيف الدين خلفه عشرة من العبيد السود الغلاظ الشداد، وأعطى لكل عبد منهم خمسمائة دينار وعرفه كيف يقتله. فسبقه العبيد إلى حلوان، فلما وصل الحاكم هناك نزل بالقصبة التي في حلوان بشرقي البلد، فخرج عليه أولئك العبيد فقتلوه هناك، فلما أبطأ خبره على العسكر خرجت إليه جماعة من الجند يلتمسون رجوعه ومعهم جنائب الموكب بالسروج الدهب والكبابيش، فصاروا يخرجون إلى حلوان في كل يوم ينتظرون رجوعه مدة سبعة أيام، فلما أبطأ عليهم فوق السبعة أيام، خرج الأمير مظفر الحاجب ومعه جماعة من العسكر - وكانت عساكر الحاكم ما بين ترك وديلم ومصامدة وصقالبة وروم وعبيد سود وغير ذلك - فلما وصلوا إلى آخر القصبة التي بحلوان وجدوا حماره الأشهب المدعو بالقمر، وقد قطعت يداه ورجلاه، وعليه السرج واللجام، فتبعوا أثر الحمار فوجدوا ثياب الحاكم وكان عليه سبع جبب صوف بيض ورأوا فيها آثار ضرب السكاكين، فلم يشكوا بعد ذلك في قتله. فلما رجعوا إلى القاهرة أشيع قتل الحاكم.
وكان قتله في شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وكانت مدة خلافته بالديار المصرية والبلاد الشامية خمسا وعشرين سنة وأياما … ولم ينل أهل مصر من أفعاله مكرمة، وصاروا معه في قمع سمسمة، وصبروا على أذاه في هذه المدة وقد قاسوا منه أي شدة حتى فرج الله عنهم هذه الكربة العظيمة فكان كما قيل:
ودهر قطعناه بضيق وشدة … ونحن على نار قيام على الجمر
صبرنا له حتى أزيل وإنما … تفرج أيام الكريهة بالصبر
وفي هذه المدة قتل الحاكم من الناس ما لا يحصى عددهم من العلماء والفقهاء وغير ذلك.