للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الجو فلما لاح الصباح طلعت الشمس وهي محمرة، فأقامت على ذلك خمسة أيام حتى اعتدلت.

قال أبو القاسم عبد المجيد القرشي ان في سنة إحدى وسبعين وثلثمائة صيدت سمكة بمدينة تنيس من البحر المالح فكان طولها من رأسها إلى ذنبها ثمانية وعشرين ذراعا ونصف ذراع، وكان عرضها خمسة عشر ذراعا، وكان فتح فمها تسعة وعشرين شبرا، وكان لها يدان كل يد طولها ثلاثة أدرع، وكان لها عينان كعيني البقر، ولسان كلسان الثور العظيم، وكانت ملساء وفي جلدها غلظ. فلما صيدت أمر والى تنيس بأن يشق بطنها ويحشى ملحا، فوضعوا في جوفها مائة آردب ملح، فكان الرجل يدخل في جوفها وهو حامل قفاف الملح قائما غير منحن، فأمر نائب تنيس بحملها إلى القاهرة حتى يشاهدها الخليفة العزيز فشاهدها وتعجب من خلقتها.

وكانت مدينة تنيس هذه من أجل المدائن، وكانت بالقرب من دمياط، قال المسعودي:

"كان طول مدينة تنيس من الجنوب إلى الشمال ثلاثة آلاف ذراع ومائتي ذراع، وكان عرضها من المشرق إلى المغرب ثلاثة آلاف ذراع وخمسة وثمانين ذراعا بالعمل، وكان لها تسعة عشر بابا مصفحة بالحديد، وكان بها عدة مساجد نحو مائة وستين مسجدا، وبكل مسجد منارة، وكان بها ستة وثلاثون حماما، وكان بها مائة معصرة للزيت والشيرج والقصب، وكان بها مائة وستون طاحونا، وكان بها من الحوانيت ألفان وخمسمائة حانوت برسم البضائع، وكان بها من المناسج للقماش نحو خمسة آلاف منسج يصنعون فيها الثياب الشرب التي لا يصنع مثلها في الدنيا، وكانوا ينسجون بها أثوابا تسمى البدنة تنسج بالذهب صناعة محكمة يباع الثوب منها بمائة دينار، وكانت تحمل منها إلى بغداد، وكان يعمل بها طرز من الكتان بغير ذهب يباع كل طراز منها بمائة دينار وهو بغير ذهب، وكان بهذه المدينة النخل والكرم وسائر أصناف الأشجار، وكانت صحيحة الهواء كثيرة الطير والسمك، وكان أهلها يدخرون بها ماء النيل في جباب فلا يفسد ولو أقام بها دهرا طويلا.

ولم تزل مدينة عامرة إلى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة حتى جاء إليها نحو أربعين مركبا موسوقة جماعة من الفرنج فحاصروا أهلها، فلما أشرفوا على أهل المدينة هرب أهلها إلى ثغر دمياط وتركوا المدينة فاستولى عليها الفرنج وملكوها ونهبوا ما فيها ثم ألقوا فيها النار فاحترقت كلها، ثم أخذوا ما قدروا عليه من الغنائم وتركوا المدينة خرابا ورحلوا عنها. واستمرت على ذلك إلى سنة أربع وعشرين وستمائة ي دولة الملك الكامل محمد بن أيوب فأمر بهدم ما بقي من سورها وبيوتها، واستمرت خرابا من يومئذ إلى الآن".

<<  <  ج: ص:  >  >>