الجسد، وعليه بردان قد أتزر بأحدهما وارتدى بالآخر، ومعه عشرة من السودان حوله ومعهم حراب بأسنة تلمع. فلما رآه الأمير عبيد الله استصغر أمره واحتقره، فلما قرب من المكان الذي فيه عبيد الله أتاه من عسكره نحو عشرة آلاف رجل من السودان في أيديهم الحراب، فلما دخل ملك النوبة على عبيد الله وأحاط ذلك العسكر بالمكان الذي فيه عبيد الله ووقعت عين ملك النوبة على الأمير عبيد الله، بادر إلى يد الأمير عبيد الله وقبلها، فأشار إليه عبيد الله بأن يجلس على تلك المرتبة التي وضعها له فأبى وصار يدفع تلك الفرش الفاخرة برجله، فقال عبيد الله للمترجمان:" لم لا يقعد الملك على تلك المرتبة التي وضعناها له؟ ". فقال له الترجمان في ذلك فقال ملك النوبة:" قل للأمير: كل ملك لا يكون متواضعا لله فهو جبار عنيد متكبر ". ثم انه جلس بين يدي الأمير عبيد الله وجعل ينكت في الأرض بأصبعه طويلا. ثم أنه رفع رأسه إلى الأمير عبيد الله وقال له:" كيف سلبتم من ملككم وأخذ منكم وأنتم أقرب الناس إلى نبيكم؟ ". فقال له عبيد الله:" إن الذي سلب منا ملكنا أقرب إلى نبينا منا ". فقال له ملك النوبة:" فكيف أنتم تلوذون إلى نبيكم بقرابة وأنتم تشربون ما حرم عليكم من الخمور، وتلبسون الديباج وهو محرم عليكم، وتركبون في السروج الذهب والفضة وهي محرمة عليكم ولم يفعل نبيكم شيئا من هذا. وبلغنا أنك لما وليت على مصر كنت تخرج إلى الصيد، وتكلف أهل القرى ما لا يطيقون، وتفسدون الزرع على الناس، وتروم الهدايا والتقادم من أهل القرى … وكل هذا لأجل كركي تصيده قيمته سبعة أنصاف أو ثمانية ". … فصار ملك النوبة يعدد على الأمير عبيد الله جملة ذنوب، والأمير عبيد الله ساكت لا يتكلم بحرف واحد، ثم قال له ملك النوبة:" فلما استحللتم ما حرمه الله عليكم، سلبتم من ملككم وأخذ منكم وأوقع الله بكم نقمة لم تبلغ غايتها منكم، وأنا أخاف على نفسي ان أنزلتك عندي أن تحل بي تلك النقمة التي حلت بكم، والبلاء عام والرحمة مخصوصة ". ثم قال له:" ارحل من أرضي بعد ثلاثة أيام وإلا أخذت جميع ما معك وقتلتك شر قتلة ". فلما سمع الأمير عبيد الله ذلك خرج من أرض النوبة في يومه ورجع إلى مصر فقبض عليه عمال الخليفة المنصور العباسي وبعث به إلى بغداد، فسجنه المنصور حتى مات في السجن، وهو آخر من تولى على مصر في دولة الخلفاء الأموية من العمال.