وطال معه في الحديث، وجعل يغوص بالسيف في رجله حتى أدماها وهو صابر، حتى فرغ الأعرابي من كلامه وخرج من عنده فدعا حوثرة بمنديل ومسح به الدم عن رجله فقيل له:"لم لا نحيت رجلك من تحت سيفه أيها الأمير أو أمرته برفع سيفه عن رجلك؟ " فقال: "خشيت أن أقطع عليه كلامه وهو في حاجته".
* ثم تولى من بعده الأمير عبد الحميد بن المغيرة بن سعيد الفزاري، فأقام على ولاية مصر نحو سنتين ثم عزل عنها. قال ابن وصف شاه:"إن أرض مصر أجدبت ووقع بها الغلاء في زمن عبد الحميد بن المغيرة فرهن حلى نسائه عند التجار واشترى منهم قمحا وفرقه على الفقراء. فلما عزل عقب ذلك عن مصر وقف إليه التجار بسبب الرهن فأمر ببيعه حتى قضى ما كان عليه من الدين الذي للتجار وكان نحو عشرة آلاف دينار، ثم رحل عن مصر والناس عنه راضون".
* ثم تولى من بعده الأمير عبيد الله بن مروان الحمار، وهو آخر من تولى على مصر من عمال الحلفاء من بني أمية. ومما وقع للأمير عبيد الله هذا … قال ابن وصيف شاه:"لما انتقلت الخلافة إلى بني العباس، وولي عبد الله السفاح، توجه عبد الله بن علي العباسي إلى الشام في طلب من بقي من بني أمية، ثم أرسل بالقبض على الأمير عبيد الله بن مروان الحمار أمير مصر، فلما أن بلغ الأمير عبيد الله ذلك دخل إلى خزائن أمواله وأخذ منها عشرة آلاف دينار ذهبا ثم أحضر اثنى عشر بغلا وحملها ذلك المال وشيئا من القماش والفرش وغير ذلك، وأخذ معه جماعة من العبيد والغلمان، ثم شد على وسطه خريطة فيها جواهر فاخرة مثمنة وخرج من مصر هاربا، فتوجه إلى نحو بلاد النوبة. فلما وصل هناك وجد مدائن خرابا وبها قصور محكمة البناء، فنزل في بعض تلك القصور، وأمر غلمانه بكنسها فكنست وفرشت فيها فرشه وما كان معه من تلك الفرش الفاخرة، ثم قال لبعض غلمانه، وكان ممن يثق بعقله:" أمض إلى ملك النوبة وخذ لي منه أمانا على نفسي من القتل ". فخرج الغلام وتوجه إلى ملك النوبة، فغاب ساعة، ثم عاد ومعه قاصد من عند ملك النوبة، فلما دخل عليه قال له أن الملك يقرئك السلام ويقول لك:" أجئت إليه محاربا أم مستجيرا؟ ". فقال له الأمير عبيد الله:" رد عليه مني السلام وقل له: قد جاء إليك ليستجير بك من عدو يريد قتله ". فمضى ذلك القاصد بالجواب، فغاب ساعة ورجع وقال له:" إن الملك قادم عليك في هذه الساعة ". فقال عبيد الله لغلمانه:" افرشوا ما معنا من الفرش الفاخرة ". وجعل مرتبة في صدر المكان برسم ملك النوبة، وجلس يرتقب مجيئه، فبينما هو على ذلك إذا دخل عليه غلامه، وقال له إن ملك النوبة قد أقبل، فقام الأمير عبيد الله وصعد على أعلى القصر ونظر إلى ملك النوبة فإذا هو رجل أسود طويل القامة نحيف