والعسكر أظهر أمير المؤمنين يعقوب وكالة مطلقة عن ولده محمد المتوكل على الله بأنه وكله في جميع أموره، وما يتعلق به من أمور الخلافة وغيرها، وكالة مفوضة، وثبت ذلك على يد القاضي شمس الدين بن وحيش، فاكتفوا بذلك … وكان أشيع أن يولوا الخلافة إلى أحد من أولاد سيدي الكبير خليل، فإن الخليفة المتوكل على الله كان في أسر ابن عثمان، ووالده يعقوب عزل نفسه من الخلافة، فلما أحضر هذه الوكالة عن ولده اكتفوا بذلك
وكان قاضي قضاة الشافعية كمال الدين الطويل في أسر ابن عثمان وكذلك قاضي قضاة المالكية محيي الدين الدميري وقاضي القضاة الحنبلي الشهابي الفتوحي. فلم يحضر هذه المبايعة من أعيان نواب الشافعية إلا الشرفي يحيى بن البرديني. فبايع السلطان الخليفة أمير المؤمنين يعقوب، وشهد عليه بذلك الشرفي يحيى بن البرديني وجماعة من نواب القضاة نيابة عن محمد المتوكل، وحضر في آخر المجلس قاضي القضاة الحنفي محمود بن الشحنة.
فلما تمت له البيعة أحضروا له خلعة السلطنة، وهي الجبة السوداء والعمامة السوداء والسيف البداوي، فأفيض عليه شعار الملك، وتلقب بالملك الأشرف، مثل قريبه الغوري.
ثم قدموا له فرس النوبة بغير كنبوش ولا سرج ذهب، ولا وجدوا له في الزردخانات لا قبة ولا طيرا، ولا الغواشي الذهب. فركب من سلم الحراقة التي بباب السلسلة، والخليفة قدامه. فطلع من باب سر القصر الكبير، وجلس على كرسي المملكة، وقبل له الأمراء الأرض، ودقت له البشائر بالقلعة، ونودي باسمه في القاهرة، وارتفعت له الأصوات بالدعاء، وفرح كل أحد من الناس بسلطنته.
وكان محببا للعوام، فإنه كان لين الجانب، قليل الأذى، غير منكبر ولا متجبر. فلما انتهى أمر المبايعة خلع السلطان على أمير المؤمنين ونزل إلى داره في موكب حفل.
وزالت دولة الغوري كأنها لم تكن. فسبحان من لا يزول ملكه ولا يغير على طول المدى.
وقد قال محمد بن قاصنوه:
قد ذهب الغوري إلى ربه … وذا الذي قدره الله
الملك لله فمن شاء من … عباده للملك ولاه
فلما كان وقت صلاة الجمعة في ذلك اليوم خرج السلطان وصلى صلاة الجمعة، وخطب به الشرقي يحيى بن البرديني، غ واستمر يخطب به في كل يوم جمعة. ثم إن الخطباء خطبوا باسمه في ذلك اليوم على منابر مصر في القاهرة بعد ما كان الخطباء لم