حماه الشافعي الحموي. أحد الأئمة الأعلام. ولد بحماه ثاني شوال سنة أربع وستمائة وعمر دهراً طويلاً. وتوفي سنة سبع وتسعين وستمائة. وبرع في العلوم الشرعية والعقلية، والأخبار، وأيام الناس. وصنف ودرس، وأفتى، واشتغل. وبعد صيته واشتهر اسمه. وكان من أذكياء العالم. ولي القضاء مدةً طويلةً. وحدث عن الحافظ زكي الدين البرزالي بدمشق وبحماه. وتخرج به جماعة. وما زال حريصاً على الإشغال، وغلب عليه الفكر إلى أن صار يذهل عن احوال نفسه وعمن يجالسه. ولما مات رحمه الله تعالى يوم الجمعة رابع عشري شوال من السنة المذكورة، دفن بتربته بعقبة يبرين عن أربع وتسعين سنة. وصنف في الهيئة. وله تاريخ. واختصر الأغاني. وملكت باختصاره نسخةً عظيمةً إلى الغاية في ثلاث مجلدات، وخطه عليها بعد ما أضر، وهي كتابة من قد عمي. رحمه الله! وله مختصر الأربعين. وشرح الموجز للأفضل الخونجي. وشرح الجمل له. وهداية الألباب في المنطق. وشرح قصيدة ابن الحاجب في العروض والقوافي. والبارع الصالحي. ومختصر الأدوية لابن البيطار.
وقيل إنه جهزه بعض ملوك مصر أظنه الصالح إلى الانبرور ملك الفرنج في الرسلية. فتلقاه وعظمه واحضر له الأرفل يوماً، وضرب به قدامه. وأراد بذلك ليستخفه. فيقال إنه ما تحرك ولا اهتز وتثبت، وما أظهر لهم خفةً لذلك ولا طرباً، إلا أنه لما قام وجدوا تحته نقط دم. يقال إنه بقي يحك كعبيه في الأرض إلى أن أدماها. فعظم أمره عند لأنبرور. ثم قال له: يا قاضي! أنا ما عندي ما أسألك عنه: لا فقه ولا عربية. وسأله ثلاثين سؤالاً، من علم المناظر. فبات تلك الليلة، وصبحه بالواب عنها. فصلب الأنبرور على وجهه. وقال: هكذا يكون قسيس المسلمين! لأن القاضي لم يكن معه كتب في تلك السفرة، وإنما أجابه عن ظهر قلب.
وله أيضاً كتاب مفرج الكروب في دولة بني أيوب. وغير ذلك. وقيل: إنه كان يشغل في حلقته في ثلاثين علماً.
وحضر حلقته نجم الدين ديبران الكاتبي المنطقي، وأورد عليه أشكالاً في المنطق. وحكى لي عنه الإمام البارع شمس الدين إبن الأكفاني غرائب عن حفظه وذكائه. وحكى لي الحكيم السديد الدمياطي اليهودي، قال: جاء ليلةً إلى عند الشيخ علاء الدين بن النفيس في بعض سفراته إلى القاهرة ونام عنده تلك الليلة. فصلى العشاء الأخيرة. وانفتح بينهما باب البحث، فلم يزالا إلى إلى أن طلع الضوء، والشيخ علاء الدين يبحث معه من غير انزعاج، والقاضي جمال الدين إبن واصل يحتد