للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عزيمة لا رخصة.

واحتج مخالفوهم بقوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء: ١٠١] لأن نفي الجناح لا يدل على العزيمة، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه، ويدل على أنه رخصة أيضا قوله عليه الصلاة والسلام: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته". رواه مسلم. وأما خبر: "فرضت الصلاة


أمر بها في السفر كذلك ولم تغير "لا رخصة" لأنها الحكم المتغير إلى سهولة لعذر مع قيام السبب للحكم الأول، قال المصنف: وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أتم المسافر يكون الشفع الثاني عندنا فرضا وعندهم نفلا لنا أن الوقت سبب للأربع، والسفر سبب للقصر، فيختار أيهما شاء، ولهم قول ابن عباس المتقدم.
"واحتج مخالفوهم بقوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} ، لأن نفي الجناح لا يدل على العزيمة، بل على الإباحة لكن بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ترقت إلى السنة، "والقصر إنما يكون في شيء أطول منه،" وأجاب الحنفية بأنه ليس المراد بالآية قصر الذات، بل قصر الصفة كترك الاستقبال عند الخوف بدليل بقية الآية، ورده ابن جرير بأن الآية من المتصل لفظا المنفصل معنى، فقد ورد أن قوله: {إِنْ خِفْتُمْ} نزل بعد قوله: {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} بسنة، فهو متعلق بما بعده، أي: بقوله: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} .
"ويدل على أنه رخصة أيضا قوله عليه الصلاة والسلام" كما في مسلم عن يعلى بن أمية، قلت لعمر: إنما قال الله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ} [النساء: ١٠١] وقد أمن الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم" والصدقة لا يجب قبولها، فالقصر ليس بواجب، وأجاب الحنفية، بأن ذلك في غير صدقة الله تعالى، كيف وقد أمر بقبولها؟ بقوله: "فاقبلوا صدقته" والأصل في الأمر الوجوب.
"رواه مسلم" عن عمر كما رأيت، فأفاد صلى الله عليه وسلم، أن الشرط في الآية لبيان الواقع وقت النزول، فلا مفهوم له، وهذا جاء به المصنف من فتح الباري، وفيه أيضا بعده الذي يظهر لي، وبه تجتمع الأدلة، أن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين إلا المغرب، ثم زيدت بعد الهجرة إلا الصبح، كما روى ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي عن عائشة: فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة واطمأن، زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان وتركت صلاة الفجر لطول القراءة وصلاة المغرب لأنها وتر النهار. انتهى. ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف عنا في السفر عند نزول قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} ويؤيده ما ذكره

<<  <  ج: ص:  >  >>