التي يرمون إليها وصف الديار والآثار، والحنين إلى الأهواء والأوطار، والتشبيب بالنساء، والطلب والاجتداء، والمديح والهجاء، وأما المترسلون فإنما يترسّلون في أمر سداد ثغر، وإصلاح فساد، أو تحريض على جهاد، أو احتجاج على فئة، أو مجادلة لمسألة، أو دعاء إلى ألفة، أو نهي عن فرقة، أو تهنئة بعطية، أو تعزية برزية، أو ما شاكل ذلك.
هذا ما انتهى إليه كلام أبي إسحق في الفرق بين الترسل والشعر.
ولقد عجبت من مثل ذلك الرجل الموصوف بذلاقة اللسان، وبلاغة البيان، كيف يصدر عنه مثل هذا القول الناكب عن الصواب الذي هو في باب ونصى النظر في باب؟ اللهم غفرا، وسأذكر ما عندي في ذلك، لا إرادة للطعن عليه، بل تحقيقا لمحل النزاع، فأقول:
أما قوله «إن الترسل هو ما وضح معناه والشعر ما غمض معناه» فإن هذه دعوى لا مستند لها، بل الأحسن في الأمرين معا إنما هو الوضوح والبيان، على أن إطلاق القول على هذا الوجه من غير تقييد لا يدل على الغرض الصحيح، بل صواب القول في هذا أن يقال: كل كلام من منثور ومنظوم فينبغي أن تكون مفردات ألفاظه مفهومة؛ لأنها إن لم تكن مفهومة فلا تكون فصيحة، لكن إذا صارت مركبة نقلها التركيب عن تلك الحال في فهم معانيها؛ فمن المركب منها ما يفهمه الخاصة والعامة، ومنه ما لا يفهمه إلا الخاصة، وتتفاوت درجات فهمه، ويكفي من ذلك كتاب الله تعالى، وتتفاوت درجات فهمه، ويكفي من ذلك كتاب الله تعالى؛ فإنه أفصح الكلام، وقد خوطب به الناس كافة من خاص وعام، ومع هذا فمنه ما يتسارع الفهم إلى معانيه، ومنه يغمض فيعز فهمه، والألفاظ المفردة ينبغي أن تكون مفهومة، سواء كان الكلام نظما أو نثرا، وإذا تركبت فلا يلزم فيها ذلك، وقد تقدم في كتابى هذا أدلة كثيرة على هذا؛ فتؤخذ من مواضعها.
وأما الجواب الذي أجاب به في الدلالة على غموض الشعر ووضوح الكلام المنثور فليس ذلك بجواب، وهب أن الشعر كان كل بيت منه قائما بذاته، فلم كان مع ذلك غامضا؟ وهب أن الكلام المنثور كان واحدا لا يتجزأ، فلم كان مع ذلك