للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ما قام الدليلُ عليه، فيكونُ مخصوصًا بذلك الدليل الذي خَصَّه كأكْلِ ذبائِح الكتابيِّين ومُناكَحَتِهم دونَ سائرِ أهلِ الكُفر بما نصَّ عليه من ذلك، ومُحالٌ أن يكونوا جماعةً مؤمنين كلَّهم يَقتَسِمونَ ميراثَهم على شَريعةِ الطَّاغُوت ومنهاجِ الكُفْر. وهذا قولُ ابنِ شهابٍ، وجماعةِ أهلِ الحجاز، وجمهورِ أهل العلمِ والحديث. وكلُّ مَن قال بهذا الحديث لم يُفَرِّقْ بين الكِتابيِّينَ وغيرهم إلّا ما ذكرنا. وقد أبَي قومٌ من القولِ به، والحُجَّةُ تَلْزمُهم به؛ لأنّه حديثٌ قد وصَلَه مَن ليسَ به بأسٌ، وهو معمولٌ به عند أهلِ المدينة ومكةَ.

وقد روَى أصبغُ، عن ابن القاسِم (١)، أنّه سُئِل عن قولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيُّما دارٍ قُسِمَت في الجاهليّة، فهي على قَسْمِ الجاهليّة، وأيُّما دارٍ أدرَكها الإسلامُ ولم تُقْسَم، فهي على قَسْمِ الإسلام". قلتُ: أيريدُ بهذا مُشرِكي العرب، أم يكونُ في اليهودِ والنصارى؟ فقال: تفسيرُه عندي أنّ كلَّ وَرَثَةٍ وَرِثُوا دارًا على مجوسيّةٍ، أو يهوديّةٍ، أو نَصرانيّةٍ، فلم يَقْسِموا حتى أسلَموا، فإنّ موارِيثَهم تَرجِعُ في قَسْم الدَّار على سُنَّةِ فرائضِ الإسلام، وإن كانوا قد اقتَسموا وهم على يهوديَّتهم أو مجوسيَّتِهم، مضَى ذلك القَسْمِ ولم يُعَدْ بينَهم؛ اتِّباعًا للحديثِ وأخذًا به. قلتُ له: فإن أسلَم بعضُهم قبلَ أن يقْتَسِموا، فدَعَا مَن أسلَم منهم إلى أن يَقْتَسِموا على فرائضِ الإسلام، ودَعا مَن لم يُسْلِمْ منهم إلى التَّمسُّكِ بفرائضِ أهلِ دينِهم، كيف الحُكمُ بينَهم؟ فقال: يُقَرُّونَ على قَسْمِ أهلِ دينِهم ما بَقِي منهم واحدٌ لم يُسلِمْ، ولا يُجبَرون على غيرِ ذلك إلّا أن يَتراضَوْا على حُكْمٍ من حُكامِ المسلمين، فيحكُمَ بينَهم بكتابِ الله. هكذا ذَكَره، ورَواه مَطْروحُ بن محمدِ بن شاكرٍ، عن أصبغَ.


(١) المدونة ٢/ ٥٩٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>