للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عَبَثًا} (١). ولولا إرادة انتظامه لما شرع الشرائع الجزئية الرادعة للناس عن الإفساد. فقد شرع القصاص على إتلاف الأرواح (٢) وعلى قطع الأطراف (٣)، وشرع غرم قيمة المتلفات، والعقوبة على الذين يحرقون القرى ويغرقون السلع (٤). ولَمَا أباح تناول الطيبات والزينة (٥). وأقامت الشريعة لإصلاح معاملة الناس بعضهم مع بعض نظام الحق. وهو لدفع الفساد قطعاً، كما صرح به قوله تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} (٦). فجعل الحقَّ ممانعاً للفساد.

ومن عموم هذه الأدلة ونحوها حصل لنا اليقين بأن الشريعة متطلِّبةٌ لجلب المصالح ودرء المفاسد، واعتبرنا هذا قاعدة كلية في الشريعة.

فقد انتظم لنا الآن أن المقصد الأعظم من الشريعة هو جلب الصلاح ودرء الفساد. وذلك يحصل بإصلاح حال الإنسان ودفع فساده. فإنّه لما كان هو المهيمنَ على هذا العالم كان في صلاحه صلاح العالم وأحواله. ولذلك نرى الإسلام عالج صلاح الإنسان بصلاح أفراده الذين هم أجزاء نوعه، وبصلاح مجموعه وهو النوع كله. فابتدأ الدعوة بإصلاح الاعتقاد الذي هو إصلاح مبدأ التفكير


(١) المؤمنون: ١١٥.
(٢) {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. البقرة: ١٧٩.
(٣) {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}. المائدة: ١٨٥.
(٤) لما قررته الشريعة من حفظ المتمولات. نبه على ذلك المؤلف: ٢٠١.
(٥) {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}. الأعراف: ٣٢.
(٦) المؤمنون: ٧١.

<<  <  ج: ص:  >  >>