للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومثال ذلك كله يتّضح في مسألة العول في الميراث. فمقادير الفرائض مثبتة بنصّ القرآن، متلقاةٌ عند الأمة بتلقّي التعبّدي، لأن الله أمر بذلك في قوله: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} (١). فلم يُسِغ لنا زيادة في المقدار ولا نقصٌ على حسب زيادة النفع أو البر أو الصلة وقلّة ذلك. ثم لما نزل بالمسلمين حادثُ ميراثٍ كانت فرائض أصحاب الفرائض فيه أكثر من المال الموروث، وكان ذلك في زمن عمر، لم يتأخّر عمر عن استشارة الصحابة، وعن إعمال الرأي والتعليل في تلك المقادير بطريقة العول.

وتلك قضية امرأة ماتت وتركت زوجها وأمّها وأختها. فأشار العباس أو علي بن أبي طالب وقال: "أَرَأيتَ لو أن رجلاً مات وعليه لرجال سبعة دنانير، ولم يخلف إلّا ستة دنانير. أليس يُجعلُ المالُ سبعة أجزاء ويدخل النقص على جميعهم؟ " (٢). فصوّبه عمر ومن حضر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فها هنا نراهم قد احتفظوا على معنى التعبد في أصل إعطاء الجميع على نسبة واحدة، وفي عدم إهمال البعض من الورثة، ولكنهم لم يحتفظوا على معنى التعبّد في المقادير لتعذّر ذلك، فأدخلوا التعليل في هذا المكان خاصة.


(١) النساء: ١١.
(٢) وممن ذكروا في الإشارة على عمر بالعول: العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت. والظاهر أنهم جميعاً، بدأ أحدهم ووافقه الآخرون، كما هو الشأن في هذه الأحوال. والأصل في العول أحاديث، منها: حديث ابن عباس: البيهقي. السنن الكبرى: ٦/ ٢٥٣؛ الحاكم. المستدرك: ٤/ ٣٤٠؛ ابن حزم. المحلى: ٩/ ٢٦٢ - ٢٦٣. وحديث زيد بن ثابت: البيهقي. السنن الكبرى: ٦/ ٢٥٣. وحديث علي بن أبي طالب: البيهقي. السنن الكبرى: ٦/ ٢٥٣, ابن حجر. التلخيص الحبير: ٣/ ٩٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>