مالك حجيّتها. ووجه ذلك: إننا إذا كنا نقول بحجية القياس وهو إلحاق جزئي حادث لا يعرف له حكم في الشرع بجزئي آخر ثابت حكمه في الشريعة للماثلة، فلأن نقول بحجية قياس مصلحة كلية حادثة في الأمة لا يعرف لها حكم على كلية ثابت اعتبارها في الشريعة باستقراء أدلة الشريعة أولى بنا وأجدر بالقياس وأدخل في الاحتجاج الشرعي. وبعد تقرير هذه الحقيقة وركون الإمام الأكبر إلى قياس الأجناس المحدثة على أجناس نظائرها الثابتة في زمن التشريع يبدي فرط عجبه من موقف إمام الحرمين من الاستدلال، وموقف الغزالي المتردد فيه بين طرف الوفاق على اعتباره، وطرف التردد في مقدار المصلحة الذي أخذ به الجويني. وبعد بيان موقفه المساند لموقف إمامه واستغرابه من موقفي صاحب البرهان وصاحب كتاب المستصفى يعلن أن أدلة اعتبار أجناس المصالح حاصل من استقراء الشريعة قطعاً أو ظناً قريباً من القطع، وأن أوصاف الحكمة قائمة بذواتها، ولأن هذه الأوصاف واضحة وضوحاً متفاوتاً غير محتاجة إلى استنباط ولا إلى سلوك مسالكه، ولا يقتصر في بيان أنواع المصالح على ذلك، فيلحق بما قدمه اختلافَها بين أن تكون من مصالح الشارع أو من مصالح الناس، وبين ما يكون منها حاصلاً من الأفعال بالقصد أو حاصلاً منها بالمآل.
ويستأنف الحديث عن أوصاف الشريعة وينعتها بالعموم موضحاً ذلك بقوله: إن أحكام الشريعة ميسرة لانتشارها وقيامها على التماثل في إجراء الأحكام والقوانين، ولكونها مبنية على اعتبار الحكم والعلل، وهي من مدركات العقول. وأن مصدري التشريع قائمان على كليات كثيرة في الكتاب، وعلى المجملات مما أراد الشارع بقاءه على إطلاقه وإجماله، وعلى قواعد عامة مما اشتملت عليه السُّنة.