للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وبقيت متعجبا متحيرا فى السبب الذى جعل السادة يقفون أمام العبيد ويقبلون أيديهم وحرصت كل الحرص على الوقوف على هذا السبب فكان ذلك من دواعى ملازمتى له.

وفى ثانى يوم حضر والدى بأمر العزيز فسلمت عليه وأدخلته على المأمور وعرفته إياه فبش فى وجهه وأجلسه وأكرمه، وكان والدى جميل الهيئة أبيض اللون فصيحا متأدبا، آثار الصلاح والتقوى ظاهرة عليه، فكلمه فى شأنى. فقال له: إنى قد اخترته ليكون معى وجعلت له مرتبا فإن أحببت فذاك، فشكر له والدى ورضى أن أكون معه، وذكر له أصولنا وحيلتنا وانصرف من مجلسه مسرورا.

ولما سهرت مع والدى ليلا جعلت كلامى معه فى هذا المأمور، فقلت له: هذا المأمور ليس من الأتراك لأنه أسود، فأجابنى بأنه يمكن أن يكون عبدا عتيقا، فقلت:

هل يكون العبد حاكما مع أن أكابر البلاد لا يكونون حكاما فضلا عن العبيد، فجعل هو يجيبنى بأجوبة لا تقنعنى، فكان يقول لعل سبب ذلك مكارم أخلاقه ومعرفته. فأقول:

وما معرفته، فيقول لعله جاور بالأزهر وتعلم فيه. فأقول: وهل التعلم فى الأزهر يؤدى إلى أن يكون الإنسان حاكما، ومن خرج من الأزهر حاكما. فقال: يا ولدى كلنا عبيد الله والله تعالى يرفع من يشاء، فأقول: مسلم لكن الأسباب لا بد منها وجعل يعظنى ويذكر لى حكايات وأشعار لم أقنع بها، ثم أوصانى بملازمته وامتثال أوامره.

وبعد يومين سافر عنى وتركنى عنده، ثم حدثت لى فكرة أخرى مع الفكرة الأولى فكنت أقول فى نفسى إن الكتابة والماهية كانت هى السبب فى سجنى ووضع الحديد فى رقبتى، وقد وجدت هذا المأمور خلصنى من ذلك فلو فعل المأمور معى مثل ما فعل الكاتب فمن يخلصنى، واستمرت الفكرتان فى بالى وكانت همتى فى التخلص من كل ذلك ومن أمثاله وأود أن أكون بحالة لا ذل فيها ولا نخشى غوائلها.

وفى أثناء ذلك اصطحبت بفرّاش له فجعلت أتفحص منه عن أخبار سيده