قال: لو أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له، فإن أذنَ لي فعلت، وإلا لم أفعل، فأتاه فقال: يا نبي الله! إني مررت بغار فيه ماء يقوتني من الماء والبقل، فحدثتني نفسي أن أقيم فيه وأتخلَّى من الدنيا، قال: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ بِالْيَهُودِيَّةِ وَلا بِالنَّصْرَانِيَّةِ، وَلَكِنْ بُعِثْتُ بِالْحَنِيْفِيَّةِ السَّمْحَةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَغَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيْلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا، وَلَمُقَامُ أَحَدِكُمْ بِالصَّفِ الأَوَّلِ خَيْرٌ مِنْ صَلاةِ سِتِّيْنَ سَنَةٍ"(١).
وقال في "منهاج العابدين": حكي أن الأستاذ أبا بكر بن فُورك قصد أن ينفرد لعبادة الله تعالى عن الخلق، فبينا هو في بعض الجبال إذ سمع صوتاً ينادي: يا أبا بكر! إذ صرت من حجج الله على خلقه تركت عباد الله.
فرجع، وكان هذا سبب صحبته للخلق.
قال: وذكر لي مأمون بن أحمد: أن الأستاذ أبا إسحاق قال لعُبَّاد جبل لبنان: يا أكلة الحشيش! تركتم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - في أيدي المبتدعة واشتغلتم هاهنا بأكل الحشيش؟
قالوا له: إنا لا نقوى على صحبة الناس، وإنما أعطاك الله قوة فيلزمك ذلك.
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٥/ ٢٦٦)، وكذا الطبراني في "المعجم الكبير" (٧٨٦٨). وضعف ابن رجب إسناده في "فتح الباري" (١/ ١٣٦).