للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يكن الباعث على زيادة هذا الأذان، وهو كثرة الناس، واتساع العمران، متحققاً في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يقال: إن الشارع لم يعتدّ بهذه المصلحة، وإنها ليست من نوع المصالح التي توافق قصده من التشريع.

وقد يتسرع إلى هذه القاعدة من لا يجيد فهمها، فيفتي بغير حق، أو يقضي بغير عدل، وقد رأيت السلطان سليمًا كيف توهم أن في قتل جماعة كثيرة خالفوا أمره في بيع الحرير مصلحة يأذن الشارع بالمحافظة عليها. وظنّ بعض القضاة أن هذه القاعدة تبيح له أن يقطع أنملة شاهد زور ليمنعه من الكتابة، واستشار ابن دقيق العيد في هذه العقوية، فأنكرها أشد الإنكار، وعدّها من المنكرات العظيمة الوقع في الدين، والاسترسال في أذى المسلمين.

وخاتمة المقال: أن رعاية المصالح المرسلة من أهم القواعد التي تأتي بثمر طيب متى تناولها الراسخ في علوم الشريعة، البصير بتطبيق أصولها.

* الاستحسان:

جرى لفظ الاستحسان في عبارات بعض الأئمة على وجه يتوهم منه: أن الاستحسان أصل من الأصول التي يرجع إليها في استنباط الأحكام، وتعرض له علماء الأصول عند بحث الأدلة، ونسبوا الأخذ به إلى بعض الأئمة، ونقلوا إنكاره عن آخرين، واختلفوا في تفسيره، وإليك صفوة ما قيل في هذا الوجه من الاستدلال:

روى محمد بن عبد العزيز العتبي في كتاب "المستخرجة" عن أصبغ ابن الفرج عن ابن القاسم: أن مالكاً قال: "تسعة أعشار العلم الاستحسان". وقال مالك في بعض فتاويه: أستحسن في كذا أن يكون الحكم كذا، وقال ابن خويز منداد، وهو من المالكية في كتابه "الجامع لأصول الفقه": "وقد