للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بريئة مما تنبذه العقول الراجحة. والفرق بين ما لا يقف العقل على مصلحته الخاصة، وما ينبذه لاشتماله على فساد راجح. لا يخفى إلا على ذي نظر سقيم.

ولما أكثر في العبادات ما تخفى مصلحته الخاصة، قالوا: إن أصلها التعبد، وقصروا الأمر فيها على ما ورد عن الشارع الحكيم. ثم إن الشارع حذر من الزيادة على ما قرره من العبادات، وسمى ما يخترع بقصد القربة بدعة وضلالة، والتصرف في العبادات من طريق المصالح المرسلة يفتح باب البدع، ويدخل بالناس في ضلال بعيد.

فلا نزاع في بطلان اختراع عبادات ذات أوضاع لم يرد بها كتاب أو سنّة، بدعوى أن فيها مصالح توافق قصد الشارع فيما وضع من العبادات.

وقد يتصرف الفقهاء في أشياء تتصل بأصل العبادة، وينظرون إليها من ناحية المصالح الملائمة لتلك العبادة، فيصيبون في الحكم، ويخطئون، ومن أمثلة تصرفهم الصحيح: أن أذان الجمعة كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخليفتين بعده واحداً يقام بباب المسجد، ومن الواضح الجلي: أن القصد من الأذان: الإعلام بدخول وقت الصلاة، ولما أكثر الناس، واتسع العمران بالمدينة، أقام عثمان - رضي الله عنه - أذاناً بالزوراء (١)، وهذا العمل خارج عن البدعة؛ لأنه تصرف في إحدى وسائل العبادة، لا في أصل العبادة، ولأن القصد من الأذان واضح وضوحًا لا تحوم عليه ريبة، وهو إعلام المصلين بدخول الوقت، وفي الأذان بالزوراء إعلام بدخول الوقت على وجه أكمل، ولم


(١) موضع بالمدينة قرب المسجد.