للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا} (١)، وقضى عمر - رضي الله عنه - بحد القذف فيمن استبّا وقال أحدهما للآخر: "والله ما أبي بزان، ولا أمي بزانية" (٢)، وقد يشترطون بينة كالشهود في رائحة الخمر، ... الخ، وأقصد هنا الجواب على الإمام ابن حزم في إلزامه الجمهور بتناقضهم وعدم اطرادهم في القاعدة، وليس المقام هو الترجيح في الفروع التي ألزمهم بها ابن حزم في عدم أخذهم بالقاعدة فيها.

وأما قول ابن حزم أنه لم يصح في درء الحدود بالشبهات حديث لا مرفوعًا ولا موقوفًا، فهذا غير مسلَّم فقد ورد موصولًا كما نقله البيهقي وغيره.

وأما نكارته لمتن الحديث؛ لأنه ليس فيه بيان ما هي تلك "الشبهات" فليس لأحد أن يقول في شيء يريد أن يسقط به حدًا "هذا شبهة" إلا كان لغيره أن يقول: ليس بشبهة".

فيجاب: بأن المراد الشبهة الشرعية كما في الحديث: «إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وبينهما مشتبهات (٣)» (٤).

ويكفينا ورود درء الحدود بالشبهات عن ثلة من كبار الصحابة - رضي الله عنهم -، ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعًا (٥)، وقد نقل الإجماع على العمل بهذا الحديث غير واحد


(١) سورة النساء: ١٥٦.
(٢) رواه مالك في الموطأ ت الأعظمي (٥/ ١٢١١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٤٤٠)، وصححه الألباني في الإرواء (٨/ ٣٩).
(٣) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، رقم (٥٢)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب أخذ وترك الشبهات، رقم (١٢٠٥).
(٤) وللاستزادة ينظر: رسالة ماجستير في جامعة أم القرى بعنوان: درء الحدود بالشبهات في الشريعة الإسلامية، للباحث/إبراهيم بن ناصر البشر.
(٥) كما قال الماوردي في الحاوي الكبير (١٣/ ٢١٠).
قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: "وإن لم يخالف الصحابي صحابيًا آخر فإما أن يشتهر قوله في الصحابة أو لا يشتهر، فإن اشتهر فالذي عليه جماهير الطوائف من الفقهاء أنه إجماع وحجة، وقالت طائفة منهم: هو حجة وليس بإجماع، وقالت شرذمة من المتكلمين وبعض الفقهاء المتأخرين: لا يكون إجماعًا ولا حجة، وإن لم يشتهر قوله أو لم يعلم هل اشتهر أم لا فاختلف الناس: هل يكون حجة أم لا؟ فالذي عليه جمهور الأمة أنه حجة هذا قول جمهور الحنفية، صرح به محمد بن الحسن، وذكر عن أبي حنيفة نصًا، وهو مذهب مالك، وأصحابه، وتصرفه في موطئه دليل عليه، وهو قول إسحاق بن راهويه وأبي عبيد، وهو منصوص الإمام أحمد في غير موضع عنه واختيار جمهور أصحابه، وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد، أما القديم فأصحابه مقرون به، وأما الجديد فكثير منهم يحكى عنه فيه أنه ليس بحجة، وفي هذه الحكاية عنه نظر ظاهر جدًا؛ فإنه لا يحفظ له في الجديد حرف واحد أن قول الصحابي ليس بحجة .... ". إعلام الموقعين عن رب العالمين (٤/ ٩٢).

<<  <   >  >>