للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ص: وتأولوا في هذا الحديث معنى غير المعنى الذي تأوله أهل المقالة الأولى، فقالوا: إنما ذلك في الشرك خاصة؛ لأن القوم كانوا حديث عهد بالكفر في دار كانت دار كفر، فكان المشركون إذا قدروا عليهم استكرهوهم على الإقرار بالكفر، فيقرون بذلك بألسنتهم كما قد فعلوا ذلك بعمار بن ياسر وبغيره من أصحاب رسول الله -عليه السلام-، فنزلت فيهم {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} (١) وربما سهوا فتكلموا بما جرت [عليه] (٢) عاداتهم قبل الإِسلام، وربما أخطأوا فتكلموا بذلك أيضًا، فتجاوز الله -عز وجل- عن ذلك؛ لأنهم غير مختارين ولا قاصدين إليه.

وقد ذهب أبو يوسف إلى هذا التفسير أيضًا.

حدثناه الكيساني عن أبيه عنه.

فالحديث يحتمل هذا المعنى، ويحتمل ما قاله أهل المقالة الأولى، فلما احتمل ذلك احتجنا إلى كشف معانيه ليدلنا على أحد التأويلين فنصرف معنى هذا الحديث إليه، فنظرنا في ذلك فوجدنا الخطأ هو ما أراد الرجل غيره بفعله لا عن قصد منه إليه ولا إرادة منه إياه، وكان السهو ما قصد إليه بفعله على القصد منه إليه؛ على أنه ساه عن المعنى الذي يمنعه من ذلك الفعل، فكان الرجل إذا نَسِيَ أن تكون هذه المرأة له زوجة فقصد إليها فطلقها فكلٌّ قد أجمع على أن طلاقه عامل ولم يبطلوا ذلك لسهوه، ولم يدخل ذلك السهو في السهو المعفو عنه فإذا كان السهو المعفو عنه ليس فيه ما ذكرنا من الطلاق والأيمان والعتاق؛ كان كذلك الاستكراه المعفو عنه ليس فيه أيضًا من ذلك شيء؛ فثبت بذلك فساد قول الذين أدخلوا الطلاق والعتاق والأيمان في ذلك.

ش: أي تأول أهل المقالة الثانية من الحديث المذكور معنى غير المعنى الذي تأوله أهل المقالة الأولى، حاصله أنهم حملوا الحديث على الشرك وخصُّوه به، وبيَّن وجه ذلك بقوله: "لأن القوم ... " إلى آخره، وهو ظاهر.


(١) سورة النحل، آية: [١٠٦].
(٢) في "الأصل، ك": عليهم، والمثبت من "شرح معاني الآثار".

<<  <  ج: ص:  >  >>